تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧

المجلس الحادي والعشرون [ في عدم الالتفات إلى الخلق ]

وقال رضي اللّه عنه يوم الثلاثاء عشية بالمدرسة خامس عشر ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة : الدنيا حجاب عن الآخرة ، والآخرة حجاب عن ربّ الدنيا والآخرة ، كل مخلوق حجاب عن الخالق عزّ وجلّ ، مهما وقفت معه فهو حجاب بك ، لا تلتفت إلى الخلق ولا إلى الدنيا ، ولا إلى ما سوى الحق عزّ وجلّ حتى تأتي إلى باب الحق عزّ وجلّ بأقدام سرّك وصحة زهدك فيما سواه عريانا عن الكل ، متحيرا فيه مستغيثا إليه مستعينا به ناظرا إلى سابقته وعمله . فإذا تحقق وصول قلبك وسرّك ودخلا عليه وقرّبك وأدناك وحياك وولاك على القلوب وأمرّك عليها وجعلك طبيبا لها ، فحينئذ التفت إلى الخلق والدنيا ، فيكون التفاتك إليهم نعمة في حقهم ، وأخذك للدنيا من أيديهم وردّها إلى فقرائهم ، واستيفاؤك لقسمك منها عبادة وطاعة وسلامة . من أخذ الدنيا على هذه الصفة لا تضرّه ، بل يسلم منها وصفو له أقسامه من نتن كدرها . الولاية لها علامة في وجوه الأولياء يعرفها أهل الفراسة ، الإشارات تنطبق بالولاية لا اللسان . من أراد الفلاح فليبذل نفسه وماله للحق عزّ وجلّ ، ويخرج بقلبه من الخلق والدنيا كخروج الشعرة من العجين واللبن ، وهكذا من الأخرى ، وهكذا من جميع ما سوى الحق عزّ وجلّ ، فحينئذ يعطي كل ذي حق حقه ، بين يديه تأكل أقسامك من الدنيا والآخرة وأنت على بابه وهما قائمتان خادمتان ، لا تأكل قسمك من الدنيا وهي قاعدة وأنت قائم ، بل كلها على باب الملك وأنت قاعد وهي قائمة والطبق على رأسها ، تخدم من هو واقف على باب الحق عزّ وجلّ ، وتذلّ من هو واقف على بابها ، كل منها على قدم الغنى والعزّ بالحق عزّ وجلّ . القوم رضوا من اللّه عزّ وجلّ بالإفلاس في الدنيا ورضوا منه بالآخرة أن يقرّبهم إليه ، ما يطلبون من اللّه عزّ وجلّ سوى اللّه ، علموا أن الدنيا مقسومة فتركوا الطلب لها ، وعلموا أن درجات الآخرة ونعيم الجنة مقسومة أيضا فتركوا طلب ذلك والعمل له ، لا يريدون سوى وجه الحق عزّ وجلّ .