( ويحك ) تأمر الناس بالصدق وأنت تكذب ، تأمرهم بالتوحيد وأنت مشرك ، تأمرهم بالإخلاص وأنت مراء منافق ، تأمرهم بترك المعاصي وأنت ترتكبها ، قد ارتفع الحياء من عينيك ، لو كان لك إيمان لاستحيت ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( الحياء من الإيمان ) .
لا إيمان لك ، ولا إيقان لك ولا أمانة ، خنت العلم فذهبت أمانتك ، وكتبت عند اللّه عزّ وجلّ خوّانا ، لا أعرف لك دواء إلا التوبة والثبات عليها .
من صح إيمانه باللّه عزّ وجلّ وبقدره سلّم كل أموره إليه ولم يجعل له شريكا فيها ، لا تشرك بالخلق والأسباب وتتقيد بها عنه ، فإذا تحقق في هذا سلّمه من الآفات في جميع أحواله ، ثم ينتقل من الإيمان إلى الإيقان ، ثم تأتيه الولاية البدلية ثم الغيبية ، وربما أنت في آخر أحواله القطبية ، يباهي به الحق عزّ وجلّ عند كل خلقه : الجن والإنس والملك والأرواح ، يقدمه ويقرّبه ويوليه على خلقه ويملكه ويمكنه ويحبه ويحببه إلى خلقه .
وكل هذا أساسه وبدايته الإيمان به وبرسله ، والتصديق بهما ، أساس هذا الأمر الإسلام ثم الإيمان بكتاب اللّه عزّ وجلّ وشريعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم الإخلاص في العمل مع توحيد القلب عند كمال الإيمان ، المؤمن يفنى عنه وعن عمله وعن عمله وعن كل ما سوى الحق عزّ وجلّ ، فيعمل الأعمال وهو في معزل عنها ، ما زال يجاهد نفسه والخلق كلهم في جنب الحق عزّ وجلّ حتى هداه إلى سبيله ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 » .
كونوا زاهدين في الأشياء وقد رضيتم بتدبيره يقلبهم في يد قدره .
فإذا وافقوه نقلبهم إلى قدرته . يا طوبى لمن وافق القدر ، والنتظر فعل المقدّر ، وعمل بالقدر وسار مع القدر ولم يكفر نعمة الأقدار ، وآية نعمة المقدّر رحمته القرب منه والغنى به عن كل خلقه . إذا وصل قلب العبد إلى ربه عزّ وجلّ أغناه به عن الخلق ، يقرّبه ويمكنه ويملكه ويقول هل :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت آية : 69
( 2 ) سورة يوسف آية : 54