تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
بين المسموم وغير المسموم ، بين المشرك والموحّد ، بين المخلص والمنافق ، بين العاصي والطائع ، بين مريد الحق عزّ وجلّ وبين مريد الخلق ، اخدموا الشيوخ العمال بالعلم حتى يعرفوكم الأشياء كما هي ، اجتهدوا في معرفة الحق عزّ وجلّ ، فأنكم إذا عرفتموه عرفتم ما سواه ، اعرفوه ثم أحبوه ، إذا كنتم ما ترونه بأعين رءوسكم فانظروه بأعين قلوبكم ، إذا رأيتم النعم منه أحببتموه ضرورة ، قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ( أحبوا اللّه لما يعذيكم من نعمه ، وأحبوني بحبّ اللّه عزّ وجلّ لي ) . ( يا قوم ) قد غذاكم بنعمة وأنتم في بطون أمهاتكم وبعد خروجكم منها ، ثم أعطاكم العوافي والقوى والبطش ، ورزقكم طاعته ، وجعلكم مسلمين متبعين لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن شكره ومحبته كشكره ومحبته ، إذا رأيتم النعم منه زالت محبة الخلق من قلوبكم . العارف للّه عزّ وجلّ المحبّ له الناظر إليه بعيني قلبه الذي يرى الإحسان والإساءة منه لا يبقى له نظر إلى من يحسن إليه ويسيء من الخلق . إن ظهر منهم إحسان رآه بتسخير الحق عزّ وجلّ ، وإن ظهرت منهم إساءة رآها بتسليطه ، ينتقل نظره من الخلق إلى الخالق ، ومع ذلك يعطي الشرع حقه ولا يسقط حكمه . لا يزال قلب العارف ينتقل من حالة إلى حالة حتى يقوى زهده في الخلق والترك لهم والإعراض عنهم ، ويرغب في الحق عزّ وجلّ ويقوى توكله عليه ، يذهب عنه أخذ الأشياء من الخلق ويبقى عند أخذها من الخلق على يد الحق عزّ وجلّ ، يتأكد ويتأيد عقله المشترك بينه وبين الخلق ويزداد عقلا آخر وهو العقل من اللّه عزّ وجلّ . يا فقير الخلق يا مشركا بهم ، احذر أن يأتيك الموت وأنت على ما أنت فيه ، ما يفتح اللّه لروحك بابه ولا ينظر إليها لأنه غضبان على كل مشرك معتمد على غيره ، عليك بالخلوة عن النفس ، ثم بالخلوة عن الخلق ، ثم بالخلوة عن الدنيا ، ثم بالخلوة عن الآخرة ، ثم بالخلوة عما سوى المولى ، إذا أردت أن تخلو مع المولى فأخل عن وجودك وتدبيرك وهذيانك . ( ويحك ) تقعد في صومعتك وقلبك في بيوت الخلق منتظر لمجيئهم وهداياهم ، ضاع زمانك وجعلت لك الصورة بلا معنى ، لا تؤهل نفسك لشيء لم يؤهلك اللّه عزّ وجلّ له ، إن لم يأتيك التأهل من اللّه عزّ وجلّ وإلا ما تقدر عليه أنت ولا الخلق . إذا أرادك لأمر هيأك له ، إذا لم يكن لك باطن صحيح وقلب خال عما سوى الحق عزّ وجلّ وإلا فمجرد الخلوة لا ينفعك . اللهم انفعني بما أقول ، وانفعهم بما أقول ويستمعون .