تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
أرادوا ، والصور عند الملائكة والجن كثياب معلقة عند أحدكم في بيته يلبس أيها شاء . المريد الصادق في إرادته الحق عزّ وجلّ في بداية أمره يضيق عن رؤية الخلق وعن سماع كلمة منهم ، وعن رؤية ذرة من الدنيا ، لا يقدر أن يرى شيئا من المخلوقات ، يكون قلبه تائها وعقله غائبا وبصره شاخصا ، لا يزال كذلك حتى تقع يد الرحمة على رأس قلبه فيأتيه السكون ، لا يزال سكران حتى يستنشق رائحة القرب من ربه عزّ وجلّ فحينئذ يفيق . وإذا تمكن في توحيده وإخلاصه وعرفته بربه عزّ وجلّ وعلمه به ومحبته له جاءه الثبات واتساع الخلق ، تأتيه القوّة من اللّه عزّ وجلّ ، فيحمل أثقالهم من غير كلفة ، يقرب منهم ويطلبهم ويكون كل شغله في مصالحهم وهو لا يشتغل عن ربه عزّ وجلّ طرفة عين . المتزهد المبتدي في زهده يهرب من الخلق ، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي منهم ، لا يهرب منهم بل يطلبهم ، لأنه يصير عارفا باللّه عزّ وجلّ . ومن عرف اللّه لا يهرب منهم بل يطلبهم ، لأنه يصير عارفا للّه عزّ وجلّ ، ومن عرف اللّه لا يهرب من شيء ، ولا يخاف من شيء سواه . المبتدي يهرب من الفساق والعصاة ، والمنتهي يطلبهم ، كيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده ؟ ولهذا قال بعضهم رحمة اللّه عليه : لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف . من كملت معرفته للّه عزّ وجلّ صار دالا عليه ، يصير شبكة يصطاد بها الخلق من بحر الدنيا ، يعطي القوّة حتى يهزم إبليس وجنده ، يأخذ الخلق من أيديهم . يا من اعتزل بزهده مع جهله ، تقدّم واسمع ما أقول : يا زهاد الأرض تقدموا ، خرّبوا صوامعكم واقربوا مني ، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل ما وقعتم بشيء ، تقدموا والقطوا ثمار الحكم رحمكم اللّه ، ما أريد مجيئكم لي بل أريده لكم . ( يا غلام ) تحتاج تتعب حتى تتعلم الصنعة ، تبني وتنقض ألف مرة حتى تحسن ، تبني ما لا ينتقض ، إذا أفنيت في البناء والنقض بنى لك الحق عزّ وجلّ بناء لا ينتقض . ( يا قوم ) متى تعقلون ؟ متى تدركون الذي أسير إليه ؟ طوفوا على مريدي الحق عزّ وجلّ ، فإذا وقعتم بهم فاخدموهم بأموالكم وأنفسكم . المريدون الصادقون لهم روائحهم ، لهم علامات ظاهرة نيرة على وجوههم ، ولكن الآفة فيكم وفي بصائركم وفي أفهامكم السقيمة ، ما تفرّقون بين الصدّيق والزنديق ، بين الحلال والحرام .