تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩

المجلس السابع عشر [ في عدم الاهتمام بالرزق ]

وقال رضى اللّه تعالى عنه يوم الجمعة بكرة بالمدرسة رابع عشر ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة . لا تهتم برزقك فإن طلبه لك أشد من طلبك له . إذا حصل لك رزق اليوم فدع عنك الاهتمام برزق غد ، كما تركت أمس مضى ، وغد لا تدرى هل يصل إليك أم لا . اشتغل بيومك ، لو عرفت الحق عزّ وجلّ لاشتغلت به عن طلب الرزق ، كانت هيبته تمنعك عن الطلب منه ، لأن من عرف اللّه عزّ وجلّ كلّ لسانه . لا يزال العارف أخرس اللسان بين يدي الحق عزّ وجلّ حتى يردّه إلى مصالح الخلق ، فإذا رده إليهم رفع الكلام عن لسانه والعجمة عنه . موسى عليه السلام لما كان يرعى الغنم كان في لسانه لكنة وعجلة وعجمة ووقفة ، فلما أراد الحق عزّ وجلّ أن يرده ألهمه حتى قال :
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي
« 1 » . كأنه يقول : لما كنت في البرية في رعى الغنم لم أحتج إلى هذا . والآن قد جاء شغلي مع الخلق والكلام لهم ، فأعنى بذهاب الكلال من لساني ، فرفع العقدة من لسانه ، فكان يتكلم بتسعين كلمة فصيحة مفهومة بقدر ما يتكلم غيره كلمات يسيرة في حال صغره ، رام أن يتكلم في غير حينه بين يدي فرعون وآسية فلقمه اللّه عزّ وجلّ الجمرة . ( يا غلام ) أراك قليل المعرفة باللّه عزّ وجلّ وبرسوله ، قليل المعرفة بأولياء اللّه عزّ وجلّ وأبدال أنبيائه وخلفائه في خلقه ، أنت خال من معنى ، أنت قفص بلا طائر ، بيت فارغ خراب ، شجرة قد يبست وتناثر ورقها ، عمارة قلب العبد بالإسلام ثم بالتحقيق في حقيقته وهي الاستسلام . سلم كلك إلى الحق عزّ وجلّ يسلم إليك نفسك وغيرك ، تخرج بقلبك منك ومن الخلق ، تقف بين يديه عريانا عنك وعنهم ، فإذا شاء الحق عزّ وجلّ ألبسك وكساك
هامش
( 1 ) سورة طه آية 27 ، 28