تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
المؤمن له نية صالحة في جميع تصاريفه ، لا يعمل في الدنيا للدنيا ، يبني في الدنيا للآخرة ، يعمر المساجد والقناطر والمدارس والربط ، ويهذب طرق المسلمين ، وإن بني غير هذا فللعيال والأرامل والفقراء وما لابد منه ، يفعل ذلك حتى يبني له في الآخرة بدله ، لا يبني لطبعه وهواه ونفسه . إذا صح ابن آدم كان مع الحق عزّ وجلّ في جميع أحواله ، يصير فقده باللّه ، ووجوده باللّه ، يلتحق قلبه بالنبيين والمرسلين ، يقبل ما جاءوا به قولا وعملا وإيمانا وإيقانا ، لا جرم يلتحق بهم دنيا وآخرة . الذاكرة للّه عزّ وجلّ أبدا حيّ ينتقل من حياة إلى حياة ، فلا موت له سوى لحظة ؛ إذا تمكن الذكر في القلب دام ذكر العبد عزّ وجلّ وإن لم يذكره بلسانه ، كلما دام العبد في ذكر اللّه عزّ وجلّ دامت موافقته له ورضاه بأفعاله . إن لم توافق الحق عزّ وجلّ في مجيء الصيف وإلا أكذبنا الصيف ، وإن لم نوافقه في مجيء الشتاء وإلا أبردنا الشتاء ، الموافقة فيهما تزيل أذيتهما وذدة فعلهما ، وهكذا الموافقة في البلايا والآفات تزيل الكرب والضيق والحرج والضجر والإنزعاج وقت نزولها ما أعجب أمور القوم ؟ وما أحسن أموالهم ؟ كل ما يأتيهم من الحق عزّ وجلّ عندهم طيب ، قد سقاهم بنج معرفته ، ونوّمهم في حجر لطفه ، وآنسهم بأنسه ، فلا جرم يطيب لهم المقام معه والغيبة عن كل شيء سواه ، لا يزالون موتى بين يديه وقد ملكتهم الهيبة ، فإذا شاء أنشرهم وأقامهم وأحياهم وشبههم ، هم بين يديه كأصحاب الكهف في كهفهم ، الذين قال في حقهم :
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
« 1 » . هم أعقل الناس ، يؤملون من ربهم عزّ وجلّ المغفرة ، وللنجاة في جميع الأحوال هذا همتهم . ويحك تعمل عمل أهل النار وترجو الجنان ، فأنت طامع في غير موضع الطمع ، لا تغترّ بالعارية لك ، عن قريب تؤخذ منك . الحق عزّ وجلّ قد أعارك الحياة حتى تطيعه فيها ، حسبتها لك وعملت فيها ما أردت . وكذلك العافية عارية عندك ، وكذلك الغنى عارية عنك ، وكذلك الأمن والجاه
هامش
( 1 ) سورة الكهف آية : 18