المجلس الثالث عشر [ تقديم الأخرة على الدنيا ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم الثلاثاء عشية بالمدرسة رابع ذي القعدة في سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
( يا غلام ) قدم الآخرة على الدنيا فإنك تربحهما جميعا ، وإذا قدمت الدنيا على الآخرة خسرتهما جميعا عقوبة لك . كيف اشتغلت بما لم تؤمر به . إذا لم تشتغل بالدنيا أمدّك اللّه عزّ وجلّ بالمعونة عليها ، ورزقك التوفيق وقت الأخذ منها .
وإذا أخذت منها شيئا وضعت فيه البركة . المؤمن يعمل لدنياه وآخرته ، يعمل لدنيا بلغته بقدر ما يحتاج إليه ، يقنعه منها كزاب الراكب ، لا يحصل منها الكثير .
الجاهل كل همه الدنيا ، والعارف كل همه الآخرة ، ثم المولى إذا حصل بين يديك رغيف من الدنيا ونازعتك نفسك وطلبت الشهوات فانظر حينئذ إلى من يقدر على كسرة ، فإنه لا فلاح لك حتى تبغض نفسك وتعاديها في جانب الحق عزّ وجلّ . الصدّيقون يعرف بعضهم بعضا ، يشم كل منهم رائحة القبول والصدق من الآخر .
يا معرضا عن الحق عزّ وجلّ وعن الصدّيقين من عباده مقبلا على الخلق مشتركا بهم ، إلى متى إقبالك عليهم ؟ إيش ينفعونك ؟ ليس بأيديهم ضرر ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، لا فرق بينهم وبين سائر الجمادات فيما يرجع إلى الضرر والنفع ، الملك واحد ، الضارّ واحد ، النافع واحد ، المحرّك والمسكن واحد ، المسلط واحد ، المسخر واحد ، المعطي والمانع واحد ، الخالق والرازق هو اللّه عزّ وجلّ ، هو القديم الأزليّ الأبدي ، هو موجود قبل الخلق ، قبل آبائكم وأمهاتكم وأغنيائكم ، هو خالق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما .
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 1 » .
وا أسفا عليكم يا خلق اللّه ، ما تعرفون خالقكم حق معرفته ؟ إن كان لي في القيامة شيء عند اللّه عزّ وجلّ لأحملنّ أثقالكم من أولكم إلى آخركم ، يا مقرى اقرأ عليّ وحدي من دون أهل السماوات والأرض ، كل من يعمل بعمله صار بينه وبين اللّه عزّ
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية : 11