كن عاقلا لا تتهوّس ولا تتصنع ولا تتكلف ، أنت في هوس وتصنع وتكلف وكذب ورياء ونفاق ، كل همك استجلاب الخلق إليك . أما تعلم أنك كلما خطوت بقلبك خطوة إلى الخلق بعدتمن الحق عزّ وجلّ ؟ تدّعي أنك طالب الحق عزّ وجلّ وأنت طالب الخلق ،
مثلك مثل من قال أريد أن أمضي إلى مكة وتوجه إلى خراسان فبعد من مكة .
تدّعي أن قلبك قد خرج وأنت تخافهم وترجوهم ، ظاهرك الزهد وباطنك الرغبة ، ظاهرك الحق وباطنك الخلق ، هذا أمر لا يجيء بلقلقة اللسان ، هذه الحالة ليس فيها خلق ولا دنيا ولا آخرة ولا ما سوى اللّه عزّ وجلّ . في الجملة هو واحد ولا يقبل إلا واحدا ، واحد لا يقبل الشريك فإنه يدبر أمرك ، واقبل ما يقال لك . الخلق عجزة لا يضرّونك ولا نفعونك ، إنما الحق عزّ وجلّ يجري ذلك على أيديهم .
فعله يتصرّف فيك وفيهم ، جرى القلم في علم اللّه عزّ وجلّ بما هو لك وعليك .
اللموحدرون الصالحون حجة اللّه على بقية الخلق ، منهم من يتعرّى عن الدنيا من حيث ظاهره وباطنه ، ومنهم من يتعرّى عنها من حيث باطنه فحسب ، لا يرى الحق عزّ وجلّ على بواطنهم منها شيئا تلك القلوب الصافية . من قدر على هذا فقد أعطى الملك من الخلق ، هو الشجاعة البطل ، الشجاع من طهر قلبه مما سوى اللّه عزّ وجلّ .
ووقف على بابه بسيف التوحيد وصمصامة الشرع ، لا يخلى شيئا من المخلوقات يدخل إليه يجمع قلبه بمقلب القلوب . الشرع يهذب الظاهر ، والتوحرد والمعرفة يهذبان الباطن ، يا هذا بين قالوا وقلنا ما يجيء شيء ، تقول هذا حرام وأنت مرتكبه ، وهذا حلال وأنت لا تفعله ولا تستعمله ، أنت هوس في هوس . عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
( ويل للجاهل مرّة وللعالم سبع مرّات ) .
ويل واحد للجاهل كيف لم يعلم ، وويل لهذا العالم سبع مرات لأنه علم وما عمل ، ارتفعت عنه بركة العلم ، وبقيت عليه حجته . تعلم ثم اعمل ، ثم انفرد في خلوتك عن الخلق واشتغل بمحبة الحق عزّ وجلّ ، فإذا صح لك الانفراد والمحبة قرّبك إليه وأدناك منه وأفناك فيه .
ثم إن شاء يشهرك ويظهرك للخلق ويردك إلى استيفاء الأقسام . أمر ريح سابقته وعلمه فيك فهبت على حيطان خلوتك فأرمت بها وأظهر أمرك للخلق فتكون بينهما
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 64
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٦٤