أيديهم . المؤمن لا يخاف غير اللّه عزّ وجلّ ، ولا يرجو غيره ، قد أعطى القوّة في قلبه وسرّه ، كيف لا تكون قلوب المؤمنين قوية باللّه عزّ وجلّ وقد أسرى بها إليه ؟ لا تزال عنده القلوب ، عنده والقالب في الأرض ، قال اللّه تعالى :
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 )
« 1 » .
يصطفون على أهاليهم وأهل زمانهم ، تتميز معانيهم متتنوّر مبانيهم ، ولهذا فارقوا الخلق وزهدوا في المألوفات ، ساروا إلى قدّام ونبت العشب وراءهم ، ما بقي لهم رجوع ، استأنسوا بالوحدة . اختاروا الخراب وسواحل البحار والبراري والقفار ، لا العمران .
يأكلون من بقول الصحاري ويشربون من غدرانها ، يصيرون كالوحش ، هنالك يقرب قلوبهم ويؤنسها به . توقف مبانيهم مع مباني المرسلين والصديقين والشهداء ، ويوقف معانيهم معه ، لا يزالون وقوفا في الخدمة ليلهم ونهارهم خلوة وراحة المشتاقين وطيبة المتأنسين باللّه عزّ وجلّ .
( يا غلام ) لابدّ من الحلاوة والمرارة والصلاح والفساد والكدر والصفاء ، فإن أردت الصفاء الكلي ففارق بقلبك الخلق وواصله بالحق عزّ وجلّ . فارق الدنيا ، ودع أهلك وسلمهم إلى ربك عزّ وجلّ وأخرج قلبك عريانا عن الكل ، وأقرب من باب الآخرة ثم ادخلها .
فإن لم تجد ربك عزّ وجلّ فيها فأخرج منها هاربا طالبا للقرب منه ، إذا وجدته وجدت كل الصفاء عنده ، ما يفعل المحب للّه عزّ وجلّ بغيره . الجنة دار طالبي الدرجات ، دار التجار باعوا الدنيا بها ، ولهذا قال اللّه عزّ وجلّ :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 2 » .
ما ذكر القلب ، ما ذكر السر ، ما ذكر المعنى . الجنة للصوّام القوّام التاركين الزاهدين في الشهوات واللذات ، باعوا صوما بصوم ، بستانا ببستان ، دارا بدار ، أريد منكم أعمالا بلا كلام . العارف العامل لوجه اللّه عزّ وجلّ سندان يدق عليه وهو لا ينشق ، أرض يمشي عليه وتغير وتبدّل وهو أخرس . القوم لا يبصرون غير اللّه عزّ وجلّ ، لا
هامش
( 1 ) سورة ص آية : 47
( 2 ) سورة الزخرف آية : 71