يسمعون من غيره ، لهم جنان بلا لسان ، هم قانون عنهم وعن غيرهم لا يزالون كذلك .
وإذا شاء اللّه أنشرهم ، جعل الجنان لسانا كأنهم مبنجون ، يأخذهم الملك إليه بيد رأفته ورحمته ، يصوغهم له وينشئهم له لا لغيره ، يصنعهم لنفسه كما صنع موسى عليه السلام حيث قال له :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
« 1 »
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 2 »
جعل راحة بلا تعب ، أنسا بلا وحشة ، نعمة بلا نقمة ، فرحة بلا بغضة ، حلاوة بلا مرارة ، ملكا بلا هلك .
( هنالك الولاية للّه الحق ) .
من وصل إلى هذه الحالة تعجلت له الراحة ، وأما مع ما أنت عليه لا تجد راحة في الدنيا ، لأنها دار الكدر دار الآفات ، لابد لك من الخروج منها ، فعليك بإخراجها من قبلك ومن يدك ، فإن لم تقدر فاتركها في يدك ، وأخرجها من قلبك ، فإذا قويت فأخرجها من يدك وأعطها للفقراء والمساكين عيال الحق عزّ وجلّ ، ومع ذلك مالك منها لا يفوتك لابدّ من إتيانه ، سواء كنت غنيا أو فقيرا ، زاهدا أو راغبا .
الدائرة على صحة قلبك وسرّك وصفائهما ، إنهما يصفوان بتعلم العلم والعمل به والإخلاص في العمل والصدق في طلب الحق عزّ وجلّ .
( يا غلام ) أما سمعت : تفقه ثم اعتزل ، تفقه بالفقه الظاهر ثم اعتزل إلى الفقه الباطن ، اعمل بهذا الظاهر حتى يقربك العمل إلى علم لم تكن تفعله ، هذا العلم الظاهر ضياء الظاهر ، والباطن ضياء الباطن . هو ضياء بينك وبين ربك عزّ وجلّ ، كلما عملت بعلمك قربت طريقك إلى الحق عزّ وجلّ واتسع الباب بينك وبينه ورفع مصراع الباب الذي يخصك .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة طه آية : 41
( 2 ) سورة الشورى آية : 11
( 3 ) سورة البقرة آية : 201