وجلّ باب يدخل قلبه منه عليه .
وأما أنت يا عالم فمشتغل بالقال والقيل ، وجمع المال عن العمل بعلمك ، فلا جرم يقع بيدك من الصورة دون المعنى . إذا أراد اللّه تعالى بعبد من عبيده خيرا علمه ، ثم ألهمه العمل والإخلاص ، ومنه أدناه وإليه قرّبه وعرّفه وعلمه علم القلوب ، والأسرار مختارة له دون غيره ، يجتبيه كما اجتبى موسى عليه السلام وقال له :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( 41 )
« 1 » .
لا لغيري ، لا للشهوات والذات والترّهات ، لا للأرض ولا للسماء ، لا للجنة ولا للنار ، لا للهلك ، لا يقيدك شيء مني ، ولا يشغلك شاغل غيري ، ولا تقيدك عني صورة ولا تحجبك عني خليقة ، ولا تغنيك عني شهوة .
( يا غلام ) لا تيأس من رحمة اللّه عزّ وجلّ بمعصية ارتكبتها ، بل اغسل نجاسة ثوب دينك بماء التوبة والثبات عليها والإخلاص فيها ، وطيبه وبخره بطيب المعرفة .
احذر من هذا المنزل الذي أنت فيه ، كيفما التفت فالسباع حولك ، والأذايا تقصدك ، تحوّل عنه وارجع إلى الحق عزّ وجلّ بقلبك .
لا تأكل بطبعك وشهوتك وهواك ، لا تأكل إلا بشاهدين عدلين وهما الكتاب والسنة ، ثم اطلب شاهدين آخرين وهما قلبك وفعل اللّه عزّ وجلّ . إذا أذن الكتاب والسنة وقلبك انتظر الرابع ، وهو فعل اللّه عزّ وجلّ ، لا تكن كحطاب الليل يحطب ولا يدري ما يقع بيده ، ويكون الخالق والخلق ، هذا شيء لا يجيء بالتحلي والتمني والتكلف والتصنع ، ولكن هو شيء وقر في الصدر وصدقه العمل ، أي عمل العمل الذي أريد به وجه اللّه تعالى .
( يا غلام ) العافية في ترك طلب العافية ، والغنى في ترك طلب الغنى ، والدواء في ترك طلب الدواء ، كل في التسليم إلى الحق عزّ وجلّ وقطع الأسباب وخلع الأرباب من حيث قلبك . الدواء في توحيد اللّه عزّ وجلّ بالقلب لا باللسان فحسب . التوحيد والزهد لا يكونان على الجسد واللسان . التوحيد في القلب ، والزهد في القلب ، والتقوى في القلب ، والمعرفة في القلب ، والعلم بالحق عزّ وجلّ في القلب ، ومحبة اللّه عزّ وجلّ في القلب ، والقرب منه في القلب .
هامش
( 1 ) سورة طه آية : 41