المجلس الثاني عشر [ النهي عن الطلب من غير اللّه ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم بكرة بالرباط ثاني ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
( يا غلام ) ما صحت إرادتك للحق عزّ وجلّ ولا أنت مريد له ، لأن كل من يدّعي إرادة الحق جل وعلا ويطلب غيره فقد بطلت دعواه . مريدوا الدنيا فيهم كثرة ، ومريدوا الآخرة فيهم قلة ، ومريدوا الحق عزّ وجلّ الصادقون في إرادته أقل من كل قليل ، هم في القلة والعدم كالكبريت الأحمر ، هم آحاد أفراد في الشذوذ والندور ، حتى يوجد منهم واحد ، هم نزاع العشائر ، هم معادن في الأرض ملوك فيها ، هم شحن البلاد والعباد .
بهم يدفع البلاء عن الخلق ، وبهم يمطرون ، وبهم يمطر اللّه السماء ، وبهم تنبت الأرض . في بداية أمرهم يفرّون من شاهق إلى شاهق ، من بلد إلى بلد ، من خراب إلى خراب ، كلما عرفوا في موضع تحوّلوا منه ، يرمون الكل وراء ظهورهم ، ويسلمون مفاتيح الدنيا إلى أهلها ، لا يزالون كذلك إلى أن تبني القلاع حواليهم ، وتجري الأنهار إلى قلوبهم ، ويحاط بهم جنود من قبل الحق عزّ وجلّ .
كل منهم ينفرد إليه بالحراسة فيكرمون ويحفظون ، ويولون على الخلق ، كل هذا من وراء عقولهم ، فحينئذ يصير إقبالهم على الخلق فريضة ، يصيرون كالأطباء وبقية الخلق مرضى .
( ويحك ) تدعي أنك منهم ؟ ما علامتهم عندك ؟ ما علامة قرب الحق عزّ وجلّ ولطفه ؟ في أيّ منزله أنت عند الحق عزّ وجلّ وفي أي مقام ؟ ما اسمك وما لقبك في الملكوت الأعلى ؟ علام يغلق بابك كل ليلة ؟ طعامك وشرابك مباح ، هو حلال طلق ، تضاجع الدنيا أو الآخرة أو قرب الحق عزّ وجلّ . من أنيسك في الوحدة ؟
من جليسك في الخلوة ؟ يا كذاب أنيسك في الوحدة نفسك وشيطانك وهواك والتفكر في دنياك ، وفي الجلوة شياطين الإنس الذين هم أقران السوء وأصحاب القيل والقال ، هذا شيء لا يجيء بالهذيان ومجرد الدعوى ، كلامك في هذا هوس لا ينفعك .