تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
المهالك ويسرقون من آبائهم وأمهاتهم ، ويمشون بالنميمة ، وكلما دبّ العقل فيهم تركوا شيئا فشيئا ، يتأدبون بالآباء والأمهات والمعلمين . من يرد اللّه خيرا يتأدّب ويترك ما كان عليه ، ومن يرد اللّه به شرّا يعش على ما هو عليه فيهلك دنيا وآخرة ، اللّه عزّ وجلّ خلق الدواء والداء ، المعاصي داء الطاعة دواء ، الظلم داء والعدل دواء ، والخطأ داء والصواب دواء ، ومخالفة الحق عزّ وجلّ داء والتوبة من سكر الذنوب دواء . إنما يتم لك الدواء إذا فارقت الخلق بقلبك وأوصلته بربك عزّ وجلّ ورفعته إليه ، يصير في السماء وروحك وبيتك في الأرض ، تنفرد بقلبك مع الحق عزّ وجلّ بما يعلم وتشارك الخلق في العمل بالحكم ، لا تخالفهم في خصلة منه حتى لا يكون له ولهم عليك حجة ، تنفرد مع ربك عزّ وجلّ بباطنك وتكون مع الخلق بظاهرك ، لا تخل لنفسك رأسا مشالا إن ركبتها وإلا ركبتك ، وإن صرعتها وإلا صرعتك . إنه لم تطعك فيما تريد من طاعة اللّه عزّ وجلّ وإلا عاقبها بسياط الجوع والعطش والذلّ والعرى والخلوة في موضع لا أنيس فيه من الخلق ، لا تنح هذه السياط عنها حتى تطمئن وتطيع اللّه عزّ وجلّ في كل حال ، فإذا اطمأنت لا تخل المعاقبة بينك وبينها ، أليس فعلت كذا وكذا ؟ وافقها حتى لا تزال منكسرة ، إنما تستعين على هذا جميعه بطلب مراد اللّه عزّ وجلّ وبموافقته وترك معاصيه ، وأن يكون ظاهرك وباطنك واحدا ، تصير موافقة بلا مخالفة ، طاعة بلا معصية ، شكرا بلا كفر ، ذكرا بلا نسيان ، خيرا بلا شرّ . لا فلاح لقلبك وفيه أحد غير اللّه عزّ وجلّ ، لو سجدت له ألف عام على الجمر وأنت تقبل بقلبك على غيره لما نفعك ذلك ، لا عاقبة له وهو يحبّ غير مولاه عزّ وجلّ ، لا تسعد بحبه حتى تعدم الكل ، إيش ينفعك إظهار الزهد في الأشياء مع إقبالك عليها بقلبك ؟ أما تعلم أن اللّه عزّ وجلّ يعلم ما في صدور العالمين ؟ ما تساحي تقول بلسانك توكلت على اللّه وفي قلبك غيره ؟ ( يا غلام ) لا تغترّ بحلم اللّه عزّ وجلّ عنك فإن بطشه شديد ، لا تغتر بهؤلاء العلماء الجهال باللّه عزّ وجلّ ، كل علمهم عليهم لا لهم ، هم علماء بحكم اللّه عزّ وجلّ ، جهال باللّه عزّ وجلّ ، يأمرون الناس بأمر ولا يمتثلونه ، وينهونهم عن شيء ولا ينتهون عنه ، يدعون إلى الحق عزّ وجلّ وهم يفرّون منه ، يبارزونه بمعاصيه وزلاته ، أسماؤهم عندي مؤرخة مكتوبة معدودة . اللهم تب عليّ وعليهم ، وهبنا كلنا لنبيك محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولأبينا إبراهيم عليه السلام . اللهم لا تسلط بعضنا على بعض ، وانفع بعضنا ببعض ، وأدخلنا كلنا في رحمتك آمين .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 56 | عبد القادر الجيلاني