حتى إذا أفنى وجودهم أوجدهم له لا لغيره ، أقامهم معه لا مع غيره ، ينشئهم خلقا آخر ، كما قال عزّ وجلّ :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
( 14 ) « 1 » .
الخلق الأول مشترك وهذا الخلق مفرد ، يفرده عن إخوانه وأبناء جنسه من بني آدم ، يغير معناه الأول ويبدله ، يصير عاليه سالفة ، يصير رابانيا روحانيا ، يضيق قلبه عن رؤية الخلق ، وينسدّ باب سرّه عن الخلق .
يصوّر له الدنيا والآخرة والجنة والنار وجميع المخلوقات والأكوان شيئا واحدا ، ثم يسلم ذلك الشيء إلى يد سرّه فيبتلعه ولا يتبين فيه ، يظهر فيه القدرة كما أظهرها في عصا موسى عليه السلام ، سبحان من يظهر قدرته فيما يريد على يد من يريد .
بلعت عصا موسى أحمالا كثيرة من الحبال وغيرها من الأشياء ولم تتغير بطنها ، أراد الحق عزّ وجلّ أن يعلمهم أن ذلك قدرة لا حكمة ، لأن ما فعله السحرة في ذلك اليوم كان حكمة وهندسة .
وما ظهر في عصا موسى عليه السلام كان قدرة من الحق عزّ وجلّ خرق عادة ومعجزة ، ولهذا قال أمير السحرة لواحد من أصحابه : انظر إلى موسى في أيّ حالة هو ؟
فقال له : قد تغير لونه والعصا تعمل عملها ، فقال : هذا من فعل اللّه عزّ وجلّ لا من فعله ، فإن الساحر لا يخاف من سحره والصانع لا يخاف من صنعته ، ثم أمن به وتبعه أصحابه .
( يا غلام ) متى تقوم من الحكمة إلى القدرة ، متى يوصلك عملك بالحكمة إلى قدرة اللّه عزّ وجلّ ، متى يوصلك لخلاصك في أعمالك إلى باب قربك من ربك عزّ وجلّ ، متى تريك شمس المعرفة وجوه قلوب العوامّ والخواص . لا تهرب من الحق لأجل بلائه ، إنما يبتليك ليعلم هل ترجع إلى السبب وتترك بابه أم لا ؟ هل ترجع إلى الظاهر أو إلى الباطن ؟ ما يدريك أو إلى ما لا يدريك ؟
إلى ما يرى أو إلى ما لا يرى . اللهم لا تبتلينا ، اللهم ارزقنا القرب منك بلا بلاء ، اللهم قربا ولطفا ، اللهم قربا بلا بعد ، لا طاقة لنا عن البعد منك ولا على مقاساة البلاء ، فارزقنا القرب منك مع عدم نار الآفات ، فإن كان ولابد من نار الآفات فاجعلنا فيها
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون الآية : 14 .