عنده من الدنيا ، الإيمان يتكرّم لوجه اللّه عزّ وجلّ ، والهوى يتكرّم لوجه الشيطان ولأغراض النفس . من فاته باب الحق عزّ وجلّ قعد على أبواب الخلق ، من ضيع طريق الحق عزّ وجلّ وضلّ عنها قعد على طريق الخلق ، من أراد اللّه به خيرا .
أغلق أبواب الخلق في وجهه وقطع عطاءهم عنه حتى يرده بذلك إليه ، يقيمه من الغدر إلى الشط ، يقيمه من لا شيء إلى شيء .
( ويحك ) تفرح بقعودك عند الغدوّ في الشتاء ، عن قريب يجيء الصيف وينشف الماء الذي عندك فتموت مكانك . الذي عند الشط فإنه في الصيف ينقطع ماؤه ، وفي الشتاء يزيد ويكثر ، كن مع اللّه عزّ وجلّ تكن غنيا عزيزا أميرا مؤمرا دليلا . من استغنى باللّه عزّ وجلّ احتاج إليه كل شيء ، وهذا شيء لا يجيء بالتحلي والتمني ولكن بشيء وقر في الصدور صدّقه العمل .
( يا غلام ) ليكن الخرس دأبك والخمول لباسك والهرب من الخلق كل مقصودك ، وإن قدرت أن تنقب في الأرض سربا تخفي فيه فافعل ، يكون هذا دأبك إلى أن يترعرع إيمانك ويقوى قدم إيقانك ويتريش جناح صدقك وتنفتح عينا قلبك ، فترفع أرض بيتك وتطير إلى جوّ علم اللّه ، تطوف الشرق والغرب ، البرّ والبحر والسهل والجبل ، تطوف السماوات والأرضين وأنت مع الدليل الخفير الرفيق .
فحينئذ أطلق لسانك في الكلام ، واخلع لباس الخمول ، واترك الهرب من الخلق ، واخرج من سربك إليهم فإنك دواء لهم غير مستضّر في نفسك ، لا تبال بقلتهم وكثرتهم وإقبالهم وإدبارهم وحدهم وذمهم ، لا تبال أين سقطت لقطت وأنت مع ربك عزّ وجلّ .
( يا قوم ) اعرفوا هذا الخالق وتأدّبوا بين يديه ، ما دامت قلوبكم بعيدة عنه فأنتم سيئوا الأدب عليه ، وإذا قربت حسن أدبها . هذيان الغلمان على الباب قبل ركوب الملك ، فإذا ركب جاء خرسهم وحسن أدبهم لأنهم قريبون منه ، كل منهم يهرب إلى زاوية . الإقبال على الخلق هو عين الإدبار عن الحقّ عزّ وجلّ لا فلاح لك حتى تخلع الأرباب وتقطع الأسباب وتترك رؤية الخلق في النفع والضرّ .
أنتم أصحاب مرضى ، أغنياء فقراء ، أحياء موتى ، موجودون معدومون . إلى متى هذا الإباق عن الحق عزّ وجلّ والإعراض عنه ؟ إلى متى عمارة الدنيا وتخريب الآخرة ؟
إنما لكل واحد منكم قلب واحد فكيف يحب به الدنيا والآخرة ، كيف يكون فيه الخالق
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 48
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٤٨