المجلس الثامن [ عدم المراءاة ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم الثلاثاء عشية بالمدرسة تاسع عشر شوّال سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
المرائي ثوبه نظيف وقلبه نجس ، يزهد في المباحات ويكسل عن الإكتساب ، ويأكل بدينه ولا يتورّع جملة ، يأكل الحرام الصريح ، يخفى أمره على العوام ولا يخفي على الخواص كل زهده وطاعته على ظاهره ، ظاهره عامر وباطنه خراب ، ويلك : طاعة اللّه عزّ وجلّ بالقلب لا بالقالب ، كل هذه الأشياء تتعلق بالقلوب والأسرار والمعاني ، تعرّ مما أنت فيه حتى آخذ لك من الحق عزّ وجلّ كسوة لا تبلى ، عوّض .
اخلع أنت حتى يكسوك هو ، اخلع ثياب توانيك في حقوق اللّه عزّ وجلّ ، اخلع ثياب وقوفك مع الخلق وشركك بهم ، اخلع ثياب الشهوات والرعونات والعجب والنفاق ، وحبك للقبول عند الخلق ، وإقبالهم عليك ، وعطاياهم لك ، اخلع ثياب الدنيا والبس ثياب الآخرة ، انخلع من حولك وقوتك وجودك ، واستطرح بين يدي الحق عزّ وجلّ بلا حول ولا قوّة ولا وقوف مع سبب ، ولا شرك بشيء من المخلوقات .
فإذا فعلت هذا رأيت ألطافه حواليك تأتيك ، رحمته تجمعك ونعمته ومننه تكسوك وتضمك إليها ، اهرب إليه ، انقطع إليه عريانا بلا أنت ولا غيرك ، سر إليه منقطعا منفصلا عن غيره ، سر إليه متفرّقا مفارقا حتى يجمعك ويوصلك بقوى ظاهرك وباطنك ، حتى لو أغلق الأكوان عليك وحملك جميع الأثقال لا يضرّك ذلك بل يحفظك فيه .
من أفنى الخلق بيد توحيده ، وأفنى الدنيا بيد زهده ، وأفنى ما سوى ربه عزّ وجلّ بيد الرغبة فقد استكمل الصلاح والنجاح ، وحظي بخير الدنيا والآخرة عليكم بإماتة نفوسكم وأهويتكم وشياطينكم قبل أن تموتوا . عليكم بالموت الخاص قبل الموت العام .
( يا قوم ) أجيبوني فإني داعي اللّه عزّ وجلّ : أدعوكم إلى بابه وطاعته ، لا أدعوكم إلى نفسي . المنافق ليس يدعو الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ ، هو داع إلى نفسه ، طالب الحظوظ