في دكان هذا المتعيش ملك له وبيده ، ثم يرجع ويستضيء نور قلبه وينظر ما عنده في ذلك ، وهذا بعد فراغه من العمل بالشرع عند قوّة إيمانه وتوحيده ، بعد خروج قلبه من الدنيا والخلق ، وقطع فيافيها وعبور بحورها ،
حينئذ يأتيه الصبح ، يأتيه نور الإيمان ، نور القرب من ربه عزّ وجلّ ، نور العمل ، نور الصبر ، نور التؤدة والطمأنينة ، كل هذه الثمرة بعد أداء حقوق الشرع ، وبركة متابعته .
وأما الأبدال وهم خواص فيستفتون الشرع ، ثم ينظرون أمر اللّه عزّ وجلّ وفعله وتحركه وإلهامه ، فما وراء هذه الثلاثة هلاك في هلاك ، سقم في سقم ، حرام في حرام ، صداع في رأس الدين ، دبيلة في قلبه ، سلّ في جسده .
( يا قوم ) يكون تصاريفه فيكم لينظر كيف تعلمون ؟ هل تثبتون أو تنهزمون ؟
هل تصدّقون أو تكذبون ؟ من لا يوافق القدر لا يرافق ولا يوافق ، من لم يرض بالأقضية لا يرضى عنه ، من لم يعط لا يعطى ، من لم يزر لا يركب . يا جاهل تريد تغير وتبدّل ما تريد ؟ أنت إله ثان ؟ تريد أن اللّه عزّ وجلّ يوافقك ؟ هذا بالعكس ، اعكس تصب .
لولا الأقدار لما عرفت الدعاوى الكاذبة ، عند التجارب تتبين الجواهر . أنكر على نفسك إنكارها على الحق عزّ وجلّ . إذا كنت منكرا على نفسك قدرت على الإنكار على غيرك . على قدر قوّة إيمانك تزيل المنكرات ، وعلى قدر ضعفه تقعد في بيتك وتتخارس عن إزالتها . أقدام الإيمان هي التي تثبت عند لقاء شياطين الإنس والجن ، هي التي تثبت عند نزول البلايا والآفات .
أقدام إيمانك لا ثبات لها ، فلا تدع الإيمان . أبغض الكل وأحبّ خالق الكل ، فإن شاء هو أن يحبب إليك شيئا مما أبغضت كنت محفوظا فيه ، لأنه هو المحبب لا أنت ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطّيب والنّساء وجعلت قرّة عيني في الصّلاة ) .
حبب إليه بعد البغض ، والترك والزهد والإعراض ، فرغ أنت قلبك مما سواه حتى يحبب هو إليك ما يشاء من ذلك .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 42
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٤٢