تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
يقسم لك ؟ ولكن هذه وسوسة الشيطان الذي قد تمكن من قلبك ورأسك ، لست عبد اللّه عزّ وجلّ وإنما أنت عبد نفسك وهواك وشيطانك وطبعك ودرهمك ودينارك ، اجهد أن ترى مفلحا حتى تفلح بطريقه . عن بعضهم رحمة اللّه عليه أنه قال : من لم ير المفلح لا يفلح ، أنت ترى المفلح ولكن تراه بعيني رأسك ، لا بعيني قلبك وسرّك ، وإيمانك إيمان ليس لك ، فلا جرم لا يكون لك بصيرة تبصر بها غيرك ، قال اللّه عزّ وجلّ :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
« 1 » . الطامع في أخذ الدنيا من أيدي الخلق يبيع الدين بالتين ، يبيع ما يبقى بما يفنى ، فلا جرم لا يقع بيده ؛ لا هذا ولا هذا . ما دمت ناقص الإيمان فدونك وإصلاح معيشتك حتى لا تحتاج إلى الناس فتبذل لهم دينك وتأكل أموالهم به . فإذا قوى إيمانك وكمل فدونك والتوكل على اللّه عزّ وجلّ ، والخروج من الأسباب ، وقطع الأرباب والمسافرة عن جميع الأشياء بقلبك ، تخرج قلبك عن بلدك وأهلك ودكانك ومعارفك وتسلم ما في يدك إلى أهلك وإخوانك وأقرانك ، فتصير كأن ملك الموت قد أخذ روحك ، كأن خطاف الموت اختطفك ، كأن الأرض انشقت وابتلعتك ، كأن أمواج القدر والقدرة السابقة أخذتك في بحر العلم وغرفتك . من وصل إلى هذا المقام لا تضرّه الأسباب ، لأنها تكون على ظاهره لا على باطنه ، تكون الأسباب لغيره لا له . ( يا قوم ) إن لم تقدروا على ما ذكرت من إخراج الأسباب والتعلق بها من حيث قلوبكم من كل وجه فيكون من وجه دون وجه ، إذا لم تقدروا على الكل فلا أقل من البعض ، كان نبينا صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( تفرّغوا من هموم الدّنيا ما استطعتم ) . ( يا غلام ) إن قدرت أن تتفرّغ من هموم الدنيا فافعل ، وإلا فهرول بقلبك إلى الحق عزّ وجلّ ، وتعلق بذيل رحمته حتى يخرج هم الدنيا من قلبك ، هو القادر على كل شيء ، العالم بكل شيء ، بيده كل شيء . الزم بابه وسله أن يطهر قلبك من غيره ويملأه بالإيمان والمعرفة له والعلم به والغنى به عن خلقه ، سله أن يعطيك اليقين ويؤنس
هامش
( 1 ) سورة الحج الآية : 46 .