تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
( بشر المؤمن في وجهه ، وحزنه في قلبه ) . هذا من قوته قدر أن البشر في وجوه الخلق ويكتم الحزن فيما بينه وبين اللّه عزّ وجلّ ، همه دائم ، كثير التفكير ، كثير البكاء ، قليل الضحك ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ( لا راحة لمؤمن غير لقاء ربّه عزّ وجلّ ) . المؤمن يستر حزنه ببشره ، ظاهره يتحرك في الكسب ، وباطنه ساكن إلى ربه عزّ وجلّ ، ظاهره لعياله ، وباطنه لربه عزّ وجلّ ، لا يفشى سرّه إلى أهله وولده وجاره وجارته ، ولا إلى من خلق ربه عزّ وجلّ ، يسمع قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ( استعينوا على أموركم بالكتمان ) . لا يزال يكتم ما عنده ، فإن جاءته غلبة أو تمت من لسانه كلمة فيتدارك الأمر ويغير العبارة ، ويستر ما ظهر منه ، ويعتذر مما بدا منه . ( يا غلام ) اجعلني مرآتك ، اجعلني مرآة قلبك وسرّك ، مرآة أعمالك ، ادن مني فإنك ترى في نفسك ما لا تراه مع البعد عني ، إن كان لك حاجة في دينك فعليك بي ، فإني لا أحابيك في دين اللّه عزّ وجلّ ، عندي وقاحة ترجع إلى دين اللّه عزّ وجلّ قد ربيت بيد خشنة غير محصلة منافقة ، دع دنياك في بيتك وادن مني ، فإني واقف على باب الآخرة ، وقف عندي واسمع قولي ، واعمل به قبل أن تموت عن قريب . الدائرة على الخوف من اللّه عزّ وجلّ والخشية له ، إذا لم يكن لك خوف منه فلا أمن لك في الدنيا والآخرة ، الخشية من اللّه عزّ وجلّ هي : العلم بعينه ، ولذلك قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 1 » . ما يخشى اللّه عزّ وجلّ إلا العلماء العمال بالعلم ، الذين يعملون ويعلمون ، ولا يطلبون من الحق عزّ وجلّ جزاء على أعمالهم ، بل يريدون وجهه وقربه ، يريدون محبته والخلاص من بعده وحجابه ، يريدون أن لا يغلق باب في وجوههم دنيا وآخرة لا يرغبون في الدنيا ولا في الآخرة ولا فيما سواه ، الدنيا لقوم والآخرة لقوم ، والحق عزّ
هامش
( 1 ) سورة فاطر الآية : 28 .