يا هوس لا تغفل ، ائتوا البيوت من أبوابها ، من أبواب الشيوخ الفناء الذين فنوا في طاعة اللّه عزّ وجلّ ، صاروا معاني ، صاروا جليس بيت القرب ، صاروا أضياف الملك ، يغدي عليهم بطبق ويراح عليهم بآخر ، وتغير أنواع الخلع .
ويطوف بهم مملكته ، أراضيه وسماواته ، أسراره ومعرفته ، أنت من وراء حائط عرضه فرسخ ، ومعك إبرة كيف لك أن تثقب القوم ، إذا وصلوا إلى ذلك الحائط فتح لهم ألف باب ، كل باب منها يدعوهم بالدخول فيه . خذ النعمة وفرّ إلى المنعم ، لا تقيدك ، دعها ومن تقيده .
انظر في وجه النعمة أهي نعمة أم هي نقمة أم رحمة ؟ لا تغترّ بظاهرها ، لا تنس المنعم فيها ، لا تنظر يمينا وشمالا ، لا تعدل عينيك ، عن المنعم ، لا تأكل من يد الدنيا لعله مسموم ، إذا جاءتك بطعام فانظر إلى وزيرك : الكتاب والسنة ، خذ مشورتهما ، فإن أفتياك توقف ، لا تستعجل ، لا تشر ، استفت نفسك وإن أفتاك المفتون ، النفس إذا جاهدتها وخالفتها انسبكت مع القلب ، صارا شيئا واحدا ، خوطبت ونوديت :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 )
« 1 » .
صار عندها خبر من القلب ، والقلب خبر من السرّ ، والسرّ خبر من الحق عزّ وجلّ ، أعط الورع حقه ثم كل ولا تبال ، أعط التقوى حقها ثم كل ولا تبال . وقال رضي اللّه عنه : نحن حاجك ، قصادك ، مريدوك ، طلابك ، محبوك ، طالبوك ، نأت عنا أولادنا وأهلونا وديارنا لا تخذلنا ، الاشتغال بغير اللّه عزّ وجلّ لعب ، وبالنفس معصية ، وبالخلق انعراج عن بابه ، من الأولياء من تسجد الملائكة له وتكتف أيديها إلى ورائها ، آحاد أفراد من الأولياء ترى الملائكة . ذلك الصالح قعد في مسجد بالشام جائعا فقال في نفسه : ليتني كنت أعلم اسم اللّه الأعظم ، وإذا شخصان نزلا فقعدا إلى جنبه فقال أحدهما للآخر :
تريد أن تعلم اسم اللّه الأعظم ؟ قال : نعم ، فقال له : قل اللّه ، فقلت في نفسي : إني أقول ذلك ، فقال : ليس كذلك ، نريد أن تقول اللّه وليس في قلبك غيره ، ثم صعدا بحذائي إلى السماء .
اجعل ظاهرك الخلق ، وقلبك الآخرة ، وسرّك أوقفه مع الحق خارجا عن الدنيا والآخرة إن قدرت ، وإلا فلا تعدل بالسلامة ، اهرب في الفيافي والقفار ، اكتسب الإيمان في
هامش
( 1 ) سورة الفجر آية : 27 .