وقام إليه خلق كثير يتوبون صارخين باكين ، إذ جاء عصفور ، فقعد على رأسه ، فحنى رأسه له ومكث كذلك وهو على رأسه والناس على درج الكرسي والصراخ حوله ، وهو لا يبرح حتى مدّ يده بعض أصحابه نحوه فطار .
ثم دعا وضجّ الناس بالبكاء والدعاء والتوبة ، فنزل وخرج على حاله إلى جامع الرصافة وتبعه خلق كثير بالبكاء والصراخ والوجد والتعرّي عن الثياب « 1 » ، ثم قال رضي اللّه عنه : هذا آخر الزمان .
اللهم إنا نعوذ بك من شرّه ، يلوح شيء أتمنى منه الهرب لكن وافق القضاء والقدر .
لا تذهب الدنيا دينك ، احفظ ماء وجهك ، اكتسب لتجمع همك ، هو باب الأخذ من اللّه ، استغن به عن الخلق ، يخاطب السبب المسبب ، الظاهر الباطن ، التعب مفروغ منه أو في شيء مستأنف مبتدأ .
يقال له قم بنا نأتي المسبب ، نأتي المعين ، نأتي الأصل ، نقرع مصارع القضاء والقدر ، نقف على باب العلم ، على رأس وادي الفضل ، نمشي على النهر ، الساقية نأتي أصلها ، حتى إذا أتيا أصل النهر رأيا الماء يخرج من أصل جبل الفضل ، قعدا هناك وخيما ، جاءت الكفاية والعناية ، جاءت الهداية ، جاءت المعرفة ، جاءت العلوم لنا أبواب شتى ندخل عليه بها ، أنت تأدّب .
إبراهيم الخوّاص رحمة اللّه عليه قال : بقيت في بادية أياما لم أر فيها أحدا ، فأفضى بي السير إلى مكان أخذني منه وحشة ، وإذا أنا بشاب قائم هناك ، فعجبت منه فقلت له : من أين ؟ قال : هو ، فقلت له : إلى أين ؟ فقال هو : فقلت له : إن كنت صادقا فاجعل نفسك له فداء ، فصرخ صرخة ووقع .
فتقدمت إليه فإذا هو ميت ، فتواريت عنه لأجمع له حصى أواريه بها ، فجئت إليه فلم أجده ؛ فإذا بهاتف يهتف : يا إبراهيم هذا الذي طلبه ملك الموت فلم يجده ، طلبته الجنة فلم تجده ، طلبته النار فلم تجده ، فقلت : أين هذا ؟ فقال الهاتف :
فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 )
« 2 » .
هامش
( 1 ) لماذا التعري من الثياب وقد أمرنا بستر العورات ؟ إن سلوك البعض بتقطيع ملابسهم أو التخلي عنها ليس من الإسلام إذ لا تجوز الصلاة إلا بستر العورة .
( 2 ) سورة القمر آيتان : 54 ، 55 .