من شرط وعظك لغيرك أن تكون مؤمنا ، لا ينبغي أن يدعو العبد الخلق إلى الحق إلا بعد الوصال إليه ، لا تقلد . ويل للخائن ، خان نفسه وربه ونبيه ، يأمر ولا يمتثل ، وينهي ولا ينتهي ، ويقول ولا يعمل به ، لا عبرة بجمع أكتافك وحفّ سباليك وصفارة وجهك ، الإيمان ههنا ، أشار إلى قوم كانوا يغشون أستاذ الدار هذه صفتهم ، أهل اللّه كل منهم على قلبه شحنة ، يحاربون النفس والطبع والهوى وقطاع الطريق عن اللّه . نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم قال :
( رأيت أقواما تقرض شفاههم بالمقاريض فقلت من هؤلاء ؟ قال : علماء أمتك ) .
اللهم أصلح الكل ، اللهم اجعلنا صالحين وأصلح بنا ، اجعل حوائجنا إليك ، وإقبالنا عليك .
قم وضع يدك على يدي ، يشير بذلك إلى أستاذ دار حتى نهرول إلى ربنا من هذه الدار الخراب ومالك وولدك ، وانزو إلى اللّه إلى العمل ، عن قريب ترد إلى الحق يسألك عن أعمالك ، خلقك لتوحيده ، ما خلقت للدنيا ولا للآخرة ، الدنيا لا تشبعك ولا ترويك ، غدارة مكراة ، داهيتك رؤيتك لنفسك ، نظرك إلى وجه الدنيا من تدبير نفسك وجعلك لها وزيرا .
المؤمن مدبر لا مدبر ، إذا خلوت عن نفسك كلمك قلبك ثم خالطكما السرّ ثم تولاكما الحق عزّ وجلّ فتكون شحنة العباد والبلاد وهذه النفس أعزلها بماذا ؟
إذا رأيت شيخا قلت : هذا عبد اللّه قبلي وعبده الصالح والفاسق والشاب والصغير ، بهذا تنعزل النفس وتتجعد الدنيا عن قلبك ، تأخذ الآخرة عين قلبك فترميك بباب قربه ، باب سلطانه ، باب كبريائه وجلاله ، تصغر الآخرة من عيني قلبك ، تشتاق إليه وتحبّ لقاءه .
تنظر إلى الدنيا فتراها أوحش خلق اللّه ، فتخرج من قلبك فتصير كالمطلقة بعد ظهور العيوب ، تعزف النفس عنها ثم تأتي الآخرة مزينة فتظهر السابقة إلى عيوبها وأنها محدثة مخلوقة يشاركك فيها اليهود والنصارى ، إذا اسلموا في الجنة المنقودة الصافية قرب الحق عزّ وجلّ الاستئناس والوصول إليه ، لا تشتغل بهؤلاء المهوسين جهلوا الدنيا فطلبوها ، جهلوا الآخرة فطلبوها ، جهلوا الخلق فسكنوا إليهم ، يا قومنا احذروا .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 366
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٦٦