خالطت أهل الدين وأحببتهم استغنت يداك وقلبك يهرب من النفاق وأهله . المنافق المرائي لا عمل له ، ما يقبل منك إلا ما أردت به وجهه ، ما يقبل منك صورة عملك ، وإنما يقبل منك معناه . إذا خالفت نفسك وهواك وشيطانك ودنياك في عملك قبله منك . اعمل وأخلص ولا تنظر إلى عملك في الجملة ، لا يقبل إلا ما أردت به وجهه لا وجه الخلق .
( ويحك ) تعمل للخلق وتريد أن يقبله الحق عزّ وجلّ هذا هوس منك . دع عنك الشره والبطر والفرح ، قلل فرحك وكثر حزنك ، فإنك في دار الحزن ، في دار السجن .
كان نبينا صلى اللّه عليه وسلم دائم التفكر . قليل الفرح كثير الأحزان ، قليل الضحك إلا تبسما تطييبا لقلب غيره ، كان في قلبه أحزان وأشغال ، لولا الصحابة وأمور الدنيا ، وإلا لما كان يخرج من بيته ولا يقعد مع أحد .
( يا غلام ) إذا صحت خلوتك مع اللّه عزّ وجلّ دهش سرّك وصفا قلبك ، يصير نظرك عبرا ، وقلبك فكرا ، وروحك ومعناك إلى الحق عزّ وجلّ وأصلا . التفكر في الدنيا عقوبة وحجاب ، والتفكر في الآخرة علم وحياة للقلب ، ما أعطى عبد التفكر إلا أعطي العلم بأحوال الدنيا والآخرة .
( ويحك ) تضيع قلبك في الدنيا وقد فرغ اللّه عزّ وجلّ من أقسامك منها ، وقد قدر لها ، أوقاتها معروفة عنده ، كل يوم يتجدد لك رزق جديد طلبته أم لم تطلبه ، حرصك يفضحك عند اللّه عزّ وجلّ وعند الخلق بنقصان الإيمان تطلب الرزق وبزيادته تقعد عن الطلب ، وبكماله وتمامه تنام عنه .
( يا غلام ) لا تخلط الجدّ بالهزل ، فإنك ما تمكن قلبك مع الخلق كيف يجتمع مع الخالق وأنت مشرك بالسبب ؟ كيف تكون مع المسبب ؟
كيف يجتمع ظاهر وباطن ، ما تعقل وما لا تعقل ؟ ما عند الخلق وما عند الخالق ، ما أجهل من نسي المسبب واشتغل بالسبب ، وقف مع الثاني وترك الأول ، نسي الباقي وفرح بالفاني .
( يا غلام ) تصحب الجهال فيتعدى إليك من جهلهم . صحبة الأحمق صحبة غبن .
اصحب المؤمنين الموقنين العاملين بعلمهم ، ما أحسن أحوال المؤمنين في جميع تصرفاتهم ، ما أقواهم على مجاهداتهم وقهرهم لنفوسهم وأهويتهم ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 35
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٥