قليلة كثيرا ، محوه وجودا ، فناءه بقاء ، تحركه ثباتا ، تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى ويظل أغصانها في الدنيا والآخرة ، ما هذه الأغصان ؟
الحكم والعلم ، تصير الدنيا عنده كحلقة الخاتم ، لا دنيا تملكه ، ولا أخرى تقيده ، لا يملكه ملك ولا مملوك . لا يحجبه حاجب ، لا يأخذه أحد ، لا يكدره كدر . فإذا تمّ هذا صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق ، والأخذ بأيديهم وتخلصهم من بحر الدنيا .
فإن أراد الحق بالعبد خيرا جعله دليلهم وطبيبهم ، ومؤدبهم ومدربهم وترجمانهم وسانحهم ، ومنحتهم وسراجهم وشمسهم ، فإن أراد منه ذلك كان ، وإلا حجبه عنده وغيبه عن غيره . آحاد أفراد من هذا الجنس يردّهم إلى الخلق مع الحفظ الكلي والسلامة الكلية ، يوفقهم لمصالح الخلق وهدايتهم . الزاهد في الدنيا يبتلى بالآخرة ، والزاهد في الدنيا والآخرة يبتلى بربّ الدنيا والآخرة . قد غفلتم كأنكم لا تموتون ، وكأنكم يوم القيامة لا تحشرون ، وبين يدي الحق لا تحاسبون ، وعلى الصراط لا تجوزون ، هذه صفاتكم وأنتم تدعون الإسلام والإيمان .
هذا القرآن والعلم حجة عليكم إذا لم تعملوا بهما ، إذا حضرتم عند العلماء ولم تقبلوا ما يقولون لكم كان حضوركم عدهم حجة عليكم ، يكون عليكم إثم ذلك ، كما لقيتم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولم تقبلوا منه . يوم القيامة يعم الخلق كلهم الخوف من جلال اللّه عزّ وجلّ وعظمته وكبريائه وعدله ، تذهب ملوك الدنيا ويبقى ملكه ، يرجع الكل إليه يوم القيامة ، ويظهر ملك القوم ، يظهر عزّهم وغناهم ، وإكرام الحق عزّ وجلّ لهم اليوم ، شحنوا العباد والبلاد وأوتاد الأرض .
قوام الأرض بهم ، هم أمراء الخلق ورؤساؤهم ، ونواب الحق عزّ وجلّ ، فهم من حيث المعنى لا من حيث الصورة ، اليوم معنى وغدا صورة . شجاعة المخاصمين للكفار في لقائهم والثبات معهم ، وشجاعة الصالحين في لقاء نفوسهم والأهوية والطباع والشياطين وأقران السوء الذين هم شياطين الإنس ، وشجاعة الخواصّ في الزهد في الدنيا والآخرة وما سوى الحق عزّ وجلّ في الجملة .
( يا غلام ) تنبه قبل أن تنبه بلا أمرك ، تدين وخالط أهل الدين فإنهم هم الناس . أعقل الناس من أطاع اللّه عزّ وجلّ ، وأجهل الناس من عصاه .
قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ( تربت يداك ) . يعني : افتقرت . وأترب : إذا استغنى . إذا
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 34
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٤