فذلك هون الحرام فلا تقربه ، فإن اللّه يعوّضك ما هو خير منه ، اقعد بين يدي قضائه وقدره مستسلما حتى تأتي يد فضله تمدّ يدك إلى استيفاء حظوظك . الزهد عمل ساعة ، وللورع عمل ساعتين ، والمعرفة عمل الأبد ، إذا قاسينا أحوالك بأحوال من تقدم لم نجدك في شيء منها ، أطعمت نفسك فناظرتك بلغتها شهواتها فاستطالت عليك ولو أنك قطعت مواردها اشتغلت بكسرها بل بلغتها شهواتها وفتحت بابا لشيطانك لأنه يلقنها التمني ، ما لها لسان بل يلقى إليها شيطان الجن ، لا يقدر عليك ، إلا شيطان الإنس ، إذا شبقت بالفضول ، إن احتمت المادة وفطمتها عن الحرام والشبهات المشتبهات سكنت نائرتها ، لو قللت من المباح ذابت عدة فضولها ، انقلعت الشهوات منها ، نبت أشجار الخوف والرجاء فيها ، استضاءت ظلمة باطنها ، اطمأنت إلى قلبها ، نوديت :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 )
« 1 » .
العامي ينادي عند الموت ، أين أنت من سماط القرب من مخدع الحضرة .
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 )
« 2 » .
لا يصفو قلبك حتى تصير ككلب أصحاب الكهف تابعة يربض بباب عتبته لقرب القلب في الحضرة وهي منتظرة لخروجه عليك بظاهر الشرع عند ضعف إيمانك ، تأخذ الرخصة بالكتاب والسنة ، حتى إذا قوى إيمانك عليك بركوب العزيمة والأشد ، إن ركبت سرت مع القدر وموافقته .
قيل للحلاج حين صلب : أوصني ، قال : نفسك إن لم تشغلها وإلا شغلتك .
كان لي قميص في بدء أمري ، كان ناعما أخرجته إلى السوق مرارا عدة لم يشتره أحد ، فمضيت إلى إنسان فرهنته عنده على دينار ، إلى أن جاءت أيام العيد فإذا بذلك الرجل قد جاء بالقميص ، قال : خذ ألبسه وأنت في حلّ من الدينار ، فامتنعت ، فقال :
خذه وإلا أحرقته ، فألزمني بلبسه ، عند ذلك علمت أنه قسمي لا زهد لي فيه .
( سئل ) عن قول بعض العلماء : تعلمنا العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلا للّه ، فقال :
هذا القول ثبور في حق أولياء اللّه ، لأن التعلم لغير اللّه شرك ، وتحمله على وجه آخر : أن
هامش
( 1 ) سورة الفجر آيتان : 27 ، 28 .
( 2 ) سورة ص آية : 47 .