خير عنكم لا ربح ولا روح ولا نجاة ولا نور ولا دين عندكم ، وأما دنياكم فلا تبقى ، تأخذون بطباعكم وأهويتكم ، تأخذون الدنيا لها للآخرة ، شغلي معكم كلامي عليكم .
يشير بذلك كله إلى وعاظ زمانه وبلده ، تطارشوا وتعلموا ، لا يتكلم أحد كأن الكلام لغيركم ، استعير لساني اليوم ، أستعير قالبي اليوم ، الاستئناس بالغربة والخلوة مفتاح القرب . يا من صمت في خلوته الشأن في صمت جلوتك ، يا نبيّ خلوة ثم جلوة ، خرس ثم نطق ، إقبال على الملك ثم إقبال على المملوك .
قال بعض الصدّيقين : الحلال الطلق في الريحانيين ، تريد أن تكون من الروحانيين حتى يكون حالك في الروحانيين ، تميز بين الخبيث والطيب ، مصباح سرّك شمس معرفتك ، قمر قربك من ربك ، الحرام عند وجود نفسك ، والشبهة عند وجود القلب ، والحلال الطلق عند صفاء السرّ ، هذا من وراء العقول ، ما دام ثمة نفس فأنت تأكل حراما ، وما دام ثمة قلب فتأكل شبهة ، وإن كان ثمة صفاء فأنت تأكل الحلال الطلق ، قال : لم ؟ قيل :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
« 1 » .
لا تبالي من أين أكلت ، كالزوجة السوء تقول لزوجها : اسرق وأطعمني ؟ فهي لا تميز بين الحلال والحرام ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( عليك بذات الدّين تربت يداك ) .
ذات الدين تعينك على أمور آخرتك ، النفس كهذه الزوجة باطنا تريد أن تميز بين الحلال والحرام ، وإذا حضر الطلق بين يديك وإن كان من كسبك توقف ، احسب أن ما خبز وما طبخ فتوسل قلبك إلى سرّك وتوسل سرّك إلى ربك عزّ وجلّ يوجه الحق عزّ وجلّ إلى قلبك ملكا إن كان حلالا قال لك :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
« 2 » .
يتلو هذه الآية على قلبك ، عند ذلك كل ، وإن كان حراما وشبهة قال لك :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 53 .
( 2 ) سورة البقرة آية : 57 .
( 3 ) سورة الأنعام آية : 121 .