دمت تعرف ما سواه ويعرفونك فأنت هوس تتبعهم ، وتارة تذلّ لهم . هذه الدار إليها طريقان ، علامة الوليّ الاستغناء باللّه عزّ وجلّ في كل شيء ، والقناعة باللّه عن كل شيء ، والرجوع إليه في كل شيء ، فإن أبت نفسك إلا ادّعاء الولاية فحدها بهذه الخصال ، فإن لم تقف فلست بولي .
لا ينبغي للعالم أن يدخل على الملوك إلا بعد إتقان إيمانه واتقائه وقوّة علمه باللّه وزهده وتمكنه من المعرفة والأنس باللّه ، فيدخلون إليهم بقوى ويخرجون عنهم بقوى .
كنت أصحب بعض الناس يحدثني بكل ما قد جرى لي ويجري لي ، وكان يمشي معه صبيّ مستحسن ويدخل إلى السلاطين ، فيخطر بقلبي من ذلك شيء ، فقال : يا ولدي ، هذا الصبيّ هو رباط ، وأخاف إن تركته هناك هلكوا به ، وأما دخولي على السلاطين فليس لي إليهم حاجة ، وإنما أدخل إليهم أعظهم وأكشف لهم طرق العدل ، أنتم في صحبتكم خلل ، ونحن نصحبهم بالأدب .
( سأل سائل ) إذا كان الطعام مختلطا كيف يصح الصيام والصلاة ؟ فقال ( الحلال بين والحرام بين ) الشرع بين لك والتوقف أيضا .
إذا قال لك القلب لا فهو حرام ، وإن سكت فلم يقل نعم ولا لا فهو شبهة . إن عدمت المألوفات وصبرت نفسك فهو القناعة ، تدري كم عنده من الطاعات والصوم والصلاة لا يعبأ بها ؟ إنما مراده منك قلب صاف من الأقدار والأغيار .
الزاهد المنافق ظاهره وباطنه مكدر ، الصفار في خديه ، والخشوع في كتفيه ، وجبة الصوف عليه ، وزهده كفّ يديه وباطنه ، يكدي نفسه راغبة إلى الحمد والذم ، عينه طامحة إلى ما بأيدي الناس .
أما العارف فظاهره متلطخ بشيء من الأقسام ، أقسام نفسه وأقسام تتعلق به ، جهبذ ملك كأنه أستاذ داره ، عازم جيشه مع سلامة سرّه مع صفاء قلبه مع رؤية حضرته ، أمواج العلم تتلاطم به ، بحار الدنيا لا تملأ قلبه . جميع ما في السماوات السبع والأرضين وسائر الموجودات بالإضافة إلى قلبه متلاشية .
هذه صورة العارف وتلك صورة الزاهد ، ما عندك من هذا خبر ، فلم لا تقطع لسانك عن الطعن في الخلق ؟ يا سلابين الدنيا بطريق الآخرة من أيدي أربابها ، يا جهالا بالحق أنتم أحق بالتوبة من هؤلاء العوام ، أنتم أحق بالاعتراف بالذنوب من هؤلاء ، لا
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 357
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٥٧