كمثل هميان فس وسطك ، أينما توجهت هو معك ، فتنام مع القدر ، وتسمع من القدرة والقادر .
واللّه ثم ، واللّه إن أحوال الأولياء كأحوال الأنبياء لكن لقبهم غير ألقابهم ، الأنبياء والمرسلون لا ينزل عليهم منكر ونكير لأنهم شفعاء الخلق ، هكذا هؤلاء لا يحاسبون لأنهم خواصّ الخلق . يا عبد الهوى الطبع ، يا عبد الثناء والحمد ، ما جفّ به القلم وسبق به العلم من الأقسام لابد من استيفائهما ، لكن الشأن هل يأخذها بك أو به ؟ يوجدك ويقعدك مع التوحيد سرّ من أسرار الحق عزّ وجلّ في قلب عبده لا يطلع عليه الشيطان ولا العقول ولا الملك .
اطلب القرب من باب فنائك ، إذا رضيت أحبك ، فإذا أحبك أطلعك ، أصحبك ، كنت أبدا في صحبته مع علمك ، والعابد تصحبه بعبادته ، لا يعلم أن المريد هذا إلا العارف ، أنت مسخر له ، فإن وافقت اللّه في ذلك وإلا فأنت مطرود ، كنا نمشي خلفهم ونحن كالذرّة لنستفيد منهم كلمات الدخول ، من استغنى برأيه ضلّ .
وبعد كلام قال :
ويكون نائب الرسول في المتابعة يترك ، ثم يترك يؤخذ ، ثم يؤخذ يترك المتروك ويأخذ المأخوذ ، يضيء لك الأمر كفلق الصبح ، يجدّد على البعد توبي الوجود تارة والفناء تارة ، تارة يفتقد فيقبل الحق عليه ، وتارة يوجد فيخبر عن الحق .
روى قلبي عن ربي . اجعل لخلوتك بابين : باب إلى الخلق ، وباب إلى الحق . تؤدي حقوق الحق ، اصحب الخلق للحق فتكفي شرّ الخلق ويدوم لك قرب الخلق ، الخلق ما سوى الحق ، وهذا معنى يعم جميع الأحوال ، معنى صحبتك الخلق نصيحتك لهم بعد صحبة الحق ، اصحب الخلق ، فإذا صحبت الخلق بعد صحبة الحق فأنت مع الحق لا مع الخلق .
علامة صحبتك للخلق أنك لا ترى النفع والضرّ من جانب الخلق ، بل الكل مسلطون عليك مسخرون ، قلوب أكلت من طعام فضله وسمعت حديثه ورأت فرحة قربه ، خاطب اللّه قلوبهم في الدنيا قبل الموت ، مخاطبون في القيامة ، وآحاد أفراد يخاطبون في الدنيا .
أبو القاسم الجنيد قال : ما تكلمت إلا بعد شهادة أربعين من الأبدال من جملتهم
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 355
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٥٥