إذا أراد اللّه انقطاع عبد إليه أول ما يوحشه من بني آدم ثم يؤنسه بالسباع والوحش والجن ، حتى إذا ذهبت الوحشة الآدمية بالتأنس بالجن والسباع آنسه بالملائكة على اختلاف صورها ، يسمع كلامهم في البراري والقفار والبحار .
يا من عزم على الانقطاع اسمع ، يا طالب الحق عزّ وجلّ كلاما ثم رؤية ، حتى إذا أنس إلى كلامهم واشتاق إلى رؤية صورهم رفع الحجاب بينه وبينهم ، ليس في خلق اللّه ألذّ حديثا من الملائكة ، أحسن الخليقة صورا وألذهم كلاما ، ثم يحجب وصيره على بابه ، ثم جاء بأنس قربه ، ثم يكون ما يكون فيما بعد السكوت ، يوحي إلى القلب كما أوحي إلى أم موسى عليه السلام حين خافت عليه .
يا قلب إذا خفت على السر الذي فيك الق البنية في بحر البراري والقفار وفارق الأهل والأصحاب ، تكون امرأة خيرا منك تلقي ولدها في اليم ، وأنت تخرج خطوتين تخاف ؟ وذلك لنقصان إيمانك :
لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها
« 1 » .
هكذا إذا خفت في بريتك عند انقطاع مرادك ومألفك حتى تكاد ترجع إلى الخلق ، السبب ربط حينئذ على قلبك . يا نقص التوحيد والعلم والتقوى ، أين أنتم والتوبة في كل حالة مدبر . الأكل بالدين نفاق ، والأكل بالصنعة سنة .
اقعد مع هذه السنة حتى يأتي الإيمان ، تأخذ الصنعة في يدك وتغلق أبواب الخلق من قلبك ، حينئذ اخرج أو اقعد بقلب في دار علمه أعمى أصمّ .
لا تسمع غير الحق ، ولا ترى غير فضل الحق ، ثم السياحة تأتي أكناف الأرض مع الشحنة . يا عوام ، ليس أحدكم إذا لحق شيئا أخذه وتغرّب وسافر ، حالة الأخذ من الخلق وحالة الأخذ من الحق عزّ وجلّ حقيقة ، وأما إذا ترقت درجته وتحققت ولايته لا يخطر بقلبه أخذ ولا عطاء ، تأتيه الأشياء وهو غالب عنها ، يقسم له تناوله .
يا أم موسى إذا خفت عليه فألقيه في اليم .
وأنت إذا خفت على دينك ألق قلبك إلى اللّه ، سلم قلبك إليه ، سلم أهلك إليه ، قل ( أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والولد ) معرفتك باللّه عزّ وجلّ ومحبتك له
هامش
( 1 ) سورة القصص آية : 10 .