تقول : أنا من أولياء اللّه ، أنا من الأبدال ، ليس هذا بالتمني . نجباء خلق اللّه ناظرون إلى مراد اللّه عندكم ، من هذا خبر يا أهل المجالس يا أبناء قيل وقال ، ونفخ في يده وأدار وجهه إلى جميع الجهات . من ادّعى حبّ اللّه عزّ وجلّ من غير ورع في خلوته فهو كذاب ، من ادّعى حبّ الجنة من غير بذل المال والملك فهو كذاب ، من ادّعى حبّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من غير حب الفقر والفقراء فهو كذاب .
بعين الرأس تشاهد الدنيا ، وبعين القلب تشاهد الآخرة ، وبعين السرّ تشاهد المولى ، تتأدب مع الخلق بحيث لا ترفع صوتك على صوت أحدهم حفظا لأدبك ، وتبارز الحق عزّ وجلّ بالمعاصي ، وتعارضه في أفعاله قبيح بك ، لا تطلع الشمس إلا على جاهل ، إلا من آثر اللّه على هواه وطبعه ونفسه ، هذا شيء من وراء العقول ، تؤاخذ الروح والطبع بالمواطأة والموافقة ، وأما بالإكراه فلا .
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
« 1 » .
المريد الصادق كل وارد إليه يعرض أعماله الظاهرة على مرآة الحكم ، ويعرض أعماله الباطنة على مرآة العلم ، فإن وافق أعماله المرآتين أدخله على الملك عزّ وجلّ ، وإن وافق عمل مرآة دون مرآة لا يدخل ، يقعد على الباب ويقال له : أحكم أمرك حتى يشكر سعيك ويحمد أمرك ، فإنه باب لا يدخل إليه إلا من باب الحكم والعلم ، فإذا كان كذلك يفتح لك أعمال تميز تلك الأعمال ، هي باطنة بينك وبين ربك عزّ وجلّ ، لا يطلع على ذلك العمل ، لا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ، ذهبت عنهم العقول الشرعية ، وهب لهم عقل العقول ، حتى إذا ذهبت عنهم أيام التبنج ردّوا إلى طعام بعد الجوع وشراب بعد الظمأ ونوم بعد السهر وراحة بعد التعب ، ثم يرد إلى شغل شاغل ، لأنه يطلع على خزائن الأسرار ، ثم يطلع ذلك العبد على ما يريد أن يكون من أهل البلدة والإقليم .
وإذا كان القطب اطلع على أعمال أهل الدنيا وأقسامهم وما تئول أمورهم إليه ويطلع على خزائن الأسرار ولا يخفى عليه شيء في الدنيا من خير وشرّ لأنه مفرد الملك بطانته نائب أنبيائه ورسله أمين المملكة ، فهذا هو العين القطب في زمانه . القلب مورد الملائكة ، والسرّ ينظر الحق عزّ وجلّ .
هامش
( 1 ) سورة النحل آية : 106 .