تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
تأخرت . من استوى يوماه فهو مغبون ، انتبه رحمك اللّه . الدنيا بلغة ساعة فلا تركن إليها ، قوم أضعفتهم الهيبة وتقيدت جوارحهم ، استولت على قلوبهم الدهشة عن الخلق فصار ما في أحوالهم اللزوم والقعود ، إذا جاء وقت استيفاء الأقسام بعث اللّه من يلقمهم ، ليس لمن تقدم ولا لمن تأخر اعتراض على هذا العبد ، يعني نفسه . احفظ رأس دينك وإلا أقطع نسبتي وطريقي ، لا تكن جاهلا تقعد في بيتك وتهذي هذيانك ، أدوية شربناها ونجحت معنا ، ندلكم على شيء مجرّب معنا ، اتقوا يوما لا ينفع فيه مال ولا بنون ، أي شيء مال ؟ مال جمعته من حله واكتسابه واكتسبه من وجهه وادعيت أنه غدا نافعك مع مالك من البنين كما زعمت العرب السالفة ، قال اللّه عزّ وجلّ :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 1 » . لم ينظر بقلبه إلى أمواله وبنيه ولم يسكنها قلبه ، بل يرى أنه وكل فيهما ، يصحبهما موافقة لربه فيسلم قلبه من آفات المال والولد ، كمثل رجل أخبر أن الملك يريد أن يزوّجه جارية ويريد قتله على يدها ، قال في نفسه : إن هربت أدركني بجنوده ، وإن خالفته أهلكني سلطانه ، وإن وافقته أهلكني بجارته ، أمره الملك بتزوّج جارية من جواريه وأمرها أن تسمه أو إذا نام تذبحه ، يا خيبة من تخلف اليوم عني ، يا خيبة له ، ولكن الأولى حسن الأدب وإظهار موافقته مع حذر قلبه ، قال : السمع والطاعة ، دخل فقبل النكاح والهدية ، جاء الزفاف ، لبس درع الحذر ، كحل عيني قلبه كحل السهر لينظر إلى حركاتها وسكونها وعملها ، انقلبت فرحته والحواشي والخدم يظنون أنه مغبوط فيما وصل إليه ، جاء النهار ولم تهلكه بسمها :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 2 » . الدنيا هي الزوجة ، لا نام معها ولا خلا بها في عمره ، وجاء إلى الآخرة ولم يكن سلبت تقواه ولا غيرت دينه فتلك السلامة ، هكذا العارف باللّه الزاهد في هذه الدنيا الراغب في الآخرة ، إذا جاء رسول العلم عند صفاء سرّه بأن اللّه يريد أن يضيف إليك طائفة من الدنيا لتكون حياة لقلوب الصديقين وهي نوع مشغلة وتبع وكدر والتفات ، انظر كيف تعمل ، تسلم قلبك وسرّك فينتبه السرّ لذلك ، يقوم السرّ والقلب يصطحبان
هامش
( 1 ) سورة الشعراء آيتان : 88 ، 89 . ( 2 ) سورة الشعراء آيتان : 88 ، 89 .