وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ
« 1 » .
بعد ظهور نجابته وحسن أخلاقه وأدبه جيء به ، استقبله بالكرامة وقرّبه وأدناه وأحسن إليه وخلع عليه وخاطبه من غير واسطة .
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 )
« 2 » .
لا يشغله بغيره ثم صرخ رضي اللّه عنه وقال : يا أللّه يا أللّه يا أللّه ، حبيب غائب قدم يشغل حتى لا يشغل ، إذا طالت صحبته وذهب عنه عناء سفره نبت لحمه وشدّ عظمه وطاب عيشه وسكنت روعته صار بطانة الملك ، حينئذ ولاه وأمّره على رعيته وأصحابه وإقليمه ، وأرسله إلى البحر لينقذ الغرقى ، وإلى البرّ ليأخذ الرجال والأطفال من أفواه السباع .
لما خرج من بيت طبعه أهله للنيابة والأمانة ، يخلع على قلوبهم كما خلع على قلوب النبييين والمرسلين ، وألقابهم ألقاب الأولياء والأبدال . يا سوقة ههنا بطائن الملوك أصحاب الأخبار ، يشير بذلك إلى من يحضر مجلسه من الأولياء والملائكة ، وهم أخفياء لا يعلمهم من حضر .
( سؤال ) متى يصير البسط قبضا والهزل جدا ؟ إذا باسطك انبسط ، انقلبت رخصتك عزيمة وعزيمتك دلالا ، حتى إذا صرت كلك عزيمة أدخلك دار الفضل والأنس تبقى بلا رخصة ولا عزيمة فعلا مجرّدا ، يكون مثلك مثل من بين يديه طبق أكل فيه بعض الأكل ، قيل له ادخل بيتا آخر ، كل ما هنأ لك . الرخص لناقض الأجل ، والعزائم لكامل الإيمان ، والملك للفانين . ما قعدت على الأرض إلا في خلوة فيما تقدم ، والآن بخلاف ذلك .
أنا في جملة من لا يستحي من ذكر حاله لأني لا أرى أحدا . حسن الأدب في موضعين : في ترك الدنيا ، وفي أخذها . لا تأتي الخلوة ومعك جهل ، لا تتخذه قبل أن تتهذب ، تفقه ثم اعتزل ، كم تحضر المجالس ولا تعمل بكلمة ؟ كم من رأى وليا واحدا فاستوصاه خيرا فوصاه فعمل بها وجعلها زاده ؟ أنت تطلع على الأخبار وتنظر الآثار وتحضر مجالس الأذكار ولا يتقدم لك قدم ، فليتك ثبت قدمك مكانها ، بل كلما جئت
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 54 .
( 2 ) سورة يوسف آية : 54 .