يلازمك ، وحرمان يخدعك ، لو علمت أن الدنيا تقطعك لما سألتها ، إذا تهذب باطنك للّه عزّ وجلّ تهدبت الدنيا لك ، شرابها سم ، هي تبدو بحلاوة وتثنى بمرارة ، حتى إذا صارت في قلبك وجعلت تحت جناحها انقلبت سما وذبحتك ، كان من تقدّم يميزون بين الخواطر قبل الانقطاع إلى الزاوية ، يا من لم يميز بين خاطر النفس والشيطان والقلب كيف ينقطع خاطر الشيطان بالمعاصي والزلات وبالفكر في الأصل وبالمعاصي في الفرع وخاطر الملك بالطاعات والأعمال الصالحة ؟ قيل للذي صلب : يعني الحلاج : أوصني ، قال :
هي نفسك إن ركبتها وإلا ركبتك ، إذا أردت أن تشرب مع الملوك فعليك بالخرابات والفيافي والقفار إلى أن يأتي الصحو من سكرك لكيلا تفشي أسرارهم فيهلكوك ، ولهذا ظعنهم خير من إقامتهم . هذه الدنيا جعلت راحلة .
إن شئت أن تلقي ربك الخلوة بعد أحكام الشرع ، باب اللّه عزّ وجلّ لابد من استعانة وعزم على شيء سببه يأتي باب العلم بطريق الحكم ، الحكم هو الأوامر والنواهي فنقبل ما يأمرنا الحكم ونسمع ونطيع ، حينئذ تأتينا الآفات فههنا يحتاج أن يكون العبد عالما .
يقول أحدنا : ما بالي ابتليت مع قيامي في الطاعة ؟ يقال له : تحتاج إلى قليل من العلم . صاحب الحكم يدخر ، وصاحب العلم يخرج ، الحكم مع الزهاد ، والعمل مع الصدّيقين المحبوبين المؤنسين ، الزهد مع الحكم ، والحب مع العلم ، هذا شريكه وهذا وزيره ، المتزهد محمود ، والزاهد مسلول ، والعارف حتى بعد الموت ، هذا المتزهد ترك الشهوات وصام فحمت نفسه والزاهد دام تركه فدام مرضه أورثه السل ، ماتت الدنيا بالإضافة إليه ، بينما هو كذلك على فراش لطف اللّه عزّ وجلّ ، إذ أقام على باب زهده طعام قد فتن ، لباس على الأوتاد قد تغيرت ، لا يخرج من الدنيا حتى يستوفي ماله الكفار والعصاة ، ما أجملوا في الطلب ، أخذوا الحرام .
أحيا اللّه تعالى ذلك العبد ثم أنشأه خلقا آخر ، لحم قد تلاشى ، عظم قد ضعف ، جلد قد رقّ ، نفس قد ذابت عذابها ، والهوى قد عزل ، والطبع قد غلب ، والقلب فيه الروح والمعنى والمعرفة والتوحيد ، ما تمّ ملك إلا القلب والحق يتولاه يحييه بعد موته ، شهواته ولذاته ماتت موتا معنويا موت علمي لدى موت صديقي .
أحياه اللّه بعد ما أراه ما هنالك ، من تركه على بابه ميتا يريه وفور الحكم والأسرار ، وفور الجند والرعايات ؛ فلما أراه ملكه وأطلعه على سرّه جمع بين روحه
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 336
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٣٦