تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
سرّي طبع إخلاصي ، لا أرى وجهك وأريد الصلاح وإزالة الخبث عن القلب وأطفئ الحريق عن بيتك وأصون حريمك . افتح عينيك وانظر ما أمامك ، أتتك جنود العذاب والمؤاخذات . ويلك يا أحمق أنت بعد قليل ميت ، كل ما أنت فيه زائل متفرّق ، هذا يفارق ولده وداره وزوجته ، ويرافق التراب والقبر والزبانية أو ملائكة الرحمة . يا راحل يا زائل يا منتقل يا عارية ، سبحان من منّ عليكم يا ملتهين ولا ترون ، يا مدبرا لا تأتيني في كل سنة مرة ، أو في كل شهر مرة ، أو في كل أسبوع مرة ، بلا ذرّة ولا حبة ، خذ شيئا بلا شيء ، وغدا ألف ألف شيء ، أنا حامل أثقالك ، تخاف أن أكلفك حمل أثقالي ، إنما يكفينيها اللّه عزّ وجلّ ، سافر ألف عام لتسمع مني كلمة فكيف وبيني وبينك خطوات ، أنت كسلان أنت جويهل أليكع ، عندك أنك أعطيت شيئا ، كم سمّنت الدنيا مثلك وأكلته ؟ سمنته بالجاه والكثرة ثم أكلته ، لو رأينا فيها خيرا ما سبقتنا إليها :
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
« 1 » . ما نحن فيه كله من اللّه ، لما نزل عن الكرسي قال له لبعض تلامذته : لقد بالغت في العظة وخشنت القول له ، فقال : إن عمل معه كلامي فسيعود ، فلم يزل بعد ذلك يحضر مجلسه ويأتيه في غير وقت المجلس فيقعد بين يديه متواضعا متصاغرا رحمه اللّه تعالى . اللهم صبرا وعفوا ، اللهم أعنا . إذا وقفت بين يدي أحد من الخلق لطلب ما عنده مقتك اللّه . ( من تضعضع لغنى لأجل ما في يديه ذهب ثلثا دينه ) . أنت تعوّدت الطلب من الخلق ، تلقى اللّه تعالى وأنت على ذلك ، رأيت في الرحبة رجلان ، كان يطلب من الناس وقد باع جبة ديباج بخمسة وعشرين دينارا ، فتبعته فوقف على رجل يأكل هريسة ، فلم يبرح حتى أعطاه لقمة ، قلت له : ألم تبع جبة بكذا وكذا ؟ قال : أترك صنعتي لأجلك ؟ من بلغ غاية الولاية يصير قطبا ، يحمل أثقال الخلق جميعا ولكن يعطي كإيمان الخلق جميعا ليستقوي به على حمل ما حمل ، لا ينظر
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية : 53 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 334 | عبد القادر الجيلاني