شغلا بالمنعم ، ويقطع النعمة عنه لئلا يشتغل بها ، فإذا دام شغله به قرّبه إليه ووضع في يده التكوين .
كلامي من ورائكم بعد عدم رؤيتي إياكم ، ولذلك جاوزت دنياكم وجاوزت الآخرة ، نظرت إليكم فرأيت لا ضرّ بأيديكم ولا نفع ولا عطاء ولا منع ، واللّه المتصرّف فيكم ، لا تضرّون إلا بعد إضرار اللّه عزّ وجلّ فرجعت إلى اللّه عزّ وجلّ .
وأما الدنيا فرأيتها فانية زائلة ذاهبة قاتلة خادعة ، فأنت من السكون إليها والوقوف معها لسرعة ذهابها . وأما الآخرة فوقفت عندها ساعة ، نظرت في أمرها ، فظهر عندي عيبها ، وهو كونها محدثة مشتركة ، ورأيت أن اللّه قد أعدّ فيها شهوة النفس وما تلذّ به الأعين ، وهو قوله عزّ وجلّ :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 1 » .
قلت : فأين شهوة القلب ؟ فأعرضت عنها إلى مولاها وبارئها وخالقها والمحدث لها .
إذا اتقى العبد اللّه عزّ وجلّ جعل له من الجهل علما ، ومن البعد قربا ، ومن الصمت ذكرا ، ومن الوحشة أنسا ، ومن الظلام نورا . إن قنعتم مني يا نفس ويا هوى ويا طبع ويا إرادة بالتوحيد وقطع الخلائق والسكون إلى اللّه عزّ وجلّ وترك رؤية الخلق ، لا آخذ منهم لقمة إلا بعد رؤية الحق ، وإلا حلفت أن لا آكل ولا أشرب ، فإذا متم طرت بسرّي إلى الحق عزّ وجلّ .
حيطان دين نبينا قد تواقعت تستغيث بمن يبنيه ، نهره قد نضب ماؤه والربّ لا يعبد ، وإذا عبد عبد رياء ونفاقا ، من يعاون في إقامة الحيطان وتنجيل النهر وكسر أهل النفاق ؟ أتكلم عن علم ، لا يمكننا أن نفصح به ولا نعلم به ملكا ، لا يفشى به لأحد .
الطور قليل لا يراه شيطان فيفسده ولا سلطان فيقهره ، أقسم اللّه تعالى بالطور لمناجاة حبيبه وكليمه عليه وتجليه له . إذا عرف القلب الحق عزّ وجلّ وسعه حتى يسع الجن والإنس والملك ، حتى إذا لم يبق شيء يعوقه ولا ينظر إليه قرب وأدنى ، أما سمعت بعصا موسى كيف ابتلعت كذا وكذا أحمال عصى وحبال ولم تتغير ؟
( سؤال ) قال له كامل الملاح : قال الحسن البصري : إذا لم يكن العالم زاهدا كان
هامش
( 1 ) سورة الزخرف آية : 71 .