يرمي العبد بسهام الآفات ، حتى إذا غمض العبد عينيه عن الرمي جاء طبيب القرب داوى جرحه وطبيب الخير رفعه ، وطبيب الشوق ضمه ، البداية بالمكاره .
إذا كانت الجنة محفوفة بالمكاره فكيف يكون قرب الحق عزّ وجلّ ؟ المؤمن عامل الملك في قربه الدنيا ، إذا صار السرّ والقلب أرضا يطعم القلب من سور سماء السرّ ، إذا شاء جمع بينهما ثم رأى رحمة اللّه عليه قريبا ومدّ يده كأنه يعانق شيئا ثم قال : يا أهل المجلس اعذرونا أنا في قيد الحال ، في قيد من يوم 7 أنا أخرس ، أنا أصم .
رأيت أبي آدم عليه السلام فقال : يا بنيّ صححت نسبي ، الوحشة لابد منها ، إذا نزل بك الموت قطعك كل مواصل ، وهجرك كل قريب ، فاهجرهم قبل هجرهم واقطعهم ، فيكون القبر طريقا ، إلى الحق دهليزا ، مت قبل أن تموت ، مت عنك وعنهم وقد حييت به ، تصير كالميت ويد السابقة تلقمه وتقلبه ، يأخذ قسمه من غير همة ، إذا تم هذا جاءت الحياة بقرب اللّه عزّ وجلّ والعلم به ، يتنحى هذا الطائر ، لا يبالي قامت القيامة أو لم تقم ، خلق الموت أو لم يخلق ، عنده شغل وصل إلى الحق . وأما الأحكام فهي محفوظة محروسة ، سبحان من سيركم بالحكم وفصحكم بالعلم ، يتلبس أحدكم بزيّ الصالحين : زرقة صوف وهو عندنا كافر ، قد يأكل العبد من كسبه ويقوى إيمانه فيحرم عليه أن يأكل من كسبه ، يقال له افتح خزانة التكوين ، خذ من خزائن العلم ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ) .
أكثر من ذكر الموت وما وراءه ، والصراط وما وراءه ، اذكر الآخرة بنعيمها وعذابها ، تفرّغوا من الدنيا بالشغل مع اللّه عزّ وجلّ بطهارة القلوب والأسرار وجاهدة النفوس ومحاربة الشياطين ، تحرّروا للّه تعالى وانقطعوا إليه ، التوحيد إعدام الخلائق والخروج من انقلاب طبعك إلى طبع الملائكة ، ثم فناؤك عن طبع الملائكة ولحوق بربك عزّ وجلّ يسقيك ما يسقيك ، وتخص بأعمال عنده زيادة على عمل الظاهر .
الإسلام ظاهر والإيمان قوّته ، ثم المعرفة باللّه عزّ وجلّ بعد ذلك ، ثم الوجود باللّه تعالى ، فإذا كان وجودك به كان ذلك له . المؤمن يأكل من كسبه وسببه ، ويعلم أنه من اللّه عزّ وجلّ ، فإذا قوى أكل من توكله ويراه من اللّه عزّ وجلّ ، ولا يتغير عليه من النظر الأول ، لو قعد في دجلة ألف عام كان قلبه متعلقا باللّه عزّ وجلّ .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 309
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٠٩