تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
اتعظ رحمك اللّه بأيّ وجه تلقاه وأنت تعارضه في قضائه وقدره ، لا تعارض ولا تجادل . عزير عارض ربه عزّ وجلّ في الخلق يخلق خلقا ثم يعذبه ، محاه من ديوان النبوّة ، أماته مائة عام معزولا ثم أحياه ورد عليه . اجعل الاستغفار دأب لسانك ، والاعتراف دأب قلبك ، والسكون دأب سرّك . الذكر أولا باللسان ثم يتعدى إلى القلب جاء الحب والشوق تعدى إلى اللسان . صحبت مشايخ ما رأيت بياض سن واحد منهم ، يأكلون من الطيبات ولا يمطعوا في لقمة ، تأدّبوا : دع غيرك يشبع وجع أنت ، يعزّ غيرك وتذلّ أنت - يستغني غيرك وتفتقر أنت ، إنما أربيكم أو أهذبكم وأعلمكم لذلك اليوم ، قطعت بأنكم لا تنفعونني ولا تضرّونني ولا تزيدون في رزقي ولا تنقصون منه ذرّة ، بعد ذلك تكلمت عليكم ، أحكمت هذا وأنا في الصحاري والقفار . أكل الشهوات يقسي القلب ، ويقيد السرّ ، ويزيل الفطنة ، ويكثر النوم والغفلة ، ويقوّي الحرص ، ويطول الأمل . يا مسجونا في سجن هواه ، يا عبد الخلق ، يا جاهلا بعاقبة أمره ، يا جاهلا بالخلق والحق عزّ وجلّ وما عليه وله ، إن لم تعقل فاعقل ذكر الموت ، فإن ذكره مفتاح كل خير وسلامة ، إذا ذكرت الموت انقطع عنك الفضول ، إذا ضعف حرصك وقلّ أملك استرجعت ، فوّضت أمورك كلها إلى اللّه عزّ وجلّ . ( يا غلام ) لا فلاح لك حتى تعترف بنعمه ، والنعم تغرقك في توحيده ، ثم تفنى في توحيده عن رؤية غيره ، كيف يحبّ من يشكو منه ويناظره ويجادله ؟ الحبّ والشوق والقرب منه لا يثبت مع هذا . إذا صحت المحبة فلا ألم عند مجيء الأقدار ، إذا تمكنت المحبة ارتفعت المعارضة والتهمة ، كل خطوة تخطو فإلى القبر ، أنت في سفر إلى القبر . قال بعضهم : العارف يشغله معروفه عن القبول والردّ والحمد والذم ، إذا زالت النفس صار مكانها أمر اللّه ، وإذا زالت الدنيا صار مكانها الآخرة ، وإذا زالت الآخرة صار مكانها قرب اللّه عزّ وجلّ ، يستأنس بقربه ويرتاح إليه . والصلاة تقطع بك نصف الطريق ، والصوم يقيمك على الباب ، والصدقة تدخلك إلى الدار ، هكذا قال بعض المشايخ . واستعينوا على قطع الطريق إلى اللّه بالصبر والصلاة سالك ليس وا وحدتاه وا غربتاه ، لولا حفظ الحكم لنطق صاع يوسف عليه السلام بأسراركم وأعمالكم ، ولكن الحكم بذيل العلم مستجير به لئلا يبدي ، قد يزهد بالنعمة
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 310 | عبد القادر الجيلاني