تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
كان الفضيل بن عياض رحمة اللّه عليه إذا لقي سفيان الثوري يقول له : تعال حتى نبكي في علم اللّه عزّ وجلّ فينا . ما أحسن هذا الكلام ، هذا كلام عارف باللّه عزّ وجلّ عالم به وبتصاريفه . ما علم اللّه الذي أشار إليه ؟ هو قوله ( هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ) وخلط الكل موضعا واحدا فلا يدري من أيّ القبيلين هو ؟ القوم لم يغترّوا بما ظهر من أعمالهم ، لأن الأعمال بخواتيمها ، قد صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة ، قد صارت الدنيا والغنى والعافية والحول والقوى آلهة ، ويحكم جعلتم الفرع أصلا ، المرزوق رازقا ، المملوك مالكا ، الفقير غنيا ، العاجز قويا ، الميت حيا . لا كرامة لكم ، لا نتبعكم ولا نتخذ مذهبكم ، بل نكون ناحية منك على تل السلامة ، على تل السنة وترك البدعة ، على تل التوحيد والإخلاص وترك الرياء والنفاق ورؤية الخلق بعين العجز والضعف والقهر . إذا عظّمت جبابرة الدنيا وفراعنتها وملوكها وأغنياءها ونسيت اللّه عزّ وجلّ ولم تعظمه فحكمك حكم من عبد الأصنام ، تصير ممن عظمت صنمك . ( ويلك ) اعبد خالق الأصنام وقد ذلت لك الأصنام ، تقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ وقد تقرب الخلق إليك ، على قدر تعظيمك للّه عزّ وجلّ يعظمك خلقة . على قدر حبك له يحبك خلقة ، على قدر خوفك منه يخافك خلقه ، على قدر احترامك لأوامره ونواهيه يحترمك خلقه ، على تقريبك منه يقترب إليك خلقه ، على قدر خدمتك له يخدمك خلقه . ذكر الموت دواء لأمراض النفوس وومقمقة على رأسها ، بقيت سنين أكثر من ذكر الموت ليلا ونهارا ، وأفلحت بذكري له ، وقهرت نفسي بذكرى له . ففي بعض الليالي ذكرت الموت وبكيت من أول الليل إلى السحر ، فكنت في تلك الليلة أبكي وأقول : إلهي أسألك أن لا يقبض ملك الموت روحي وتتولى قبضها أنت ، فغضيت عيني فرأيت رجلا شيخا بهيا له سمت حسن ، فدخل من الباب فقلت له : من تكون ؟ فقال : أنا ملك الموت ، فقلت له : إني قد سألت اللّه عزّ وجلّ أنه يتولى قبض روحي ولا تقبضها أنت ، فقال : ولم سألته ذلك ؟ أي ذنب لي أنا ؟ إن أنا إلا عبد مأمور ، أومر بالرفق بقوم ، وبالفظاظة على قوم ، وعانقني وبكى وبكيت معه ، ثم انتبهت وأنا أبكي . كان أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى يقول : عزيز على قلوب أحرقها حب الدنيا