ذلك صديق إيماني وهذا عدوّ له .
اللهم حقق لي هذا وبينه وثبتني عليه ، اجعله موهبة لا عارية ، هذا شيء لا يجيء بالدعوى والتحلي والتمني والأسامي والألقاب ولقلقة اللسان ، إنما يجيء بالصدق والإخلاص وترك الرياء ومعادات النفس والهوى والشيطان . كونوا عقلاء ، ما أرى لكم قلوبا ولا معرفة بالمقلّب ، نفوسكم غير مروضة ، غير معلمة ، هي ملأى من الكبر والعظمة ، طريق الحق عزّ وجلّ ليس فيها : أنا ولي ومعي كل هذه الطريق محو وفناء .
في البداية عند ضعف الإيمان لا إله إلا اللّه ، وفي النهاية عند قوّة الإيمان لا إله إلا أنت ، لأنه مخاطب حاضر مشاهد . كل من طلب من الخلق فقد عمى عن باب الخالق ، ما خدمة ولا صحبة ، لو خدمة في حال شبابه لأغناه في كبره ، هو يعطى من لا يخدمه فكيف لا يعطي من يخدمه ؟
المؤمن كلما شاخ قوى إيمانه واستغنى عن الخلق لقربه من الحق عزّ وجلّ ، ستغني عنهم وإن كان لا يملك ذرّة ولا لقمة ولا خرقة ، تنبهوا لما أقول ولا ترفضوه وراء ظهوركم ، إني أحق حقا في حق أقول عن تجربة ، إني أرى الأكثر منكم محجوبين يدعون الإسلام وما عندهم من حقيقته شيء .
ويحكم اسم الإسلام عليكم فحسب لا ينفعكم ، تعلمون بشرائطه ظاهرا لا باطنا ، لا يسوى عملكم شيئا ، ليلة القدر لها علامة عند الصالحين من عباد اللّه عزّ وجلّ ، من يكشف عن أبصارهم فيرون الألوية التي بأيدي الملائكة ونور وجوههم ، ونور أبواب السماوات ، ونور وجه الحق عزّ وجلّ ، لأنه في تلك الليلة يتجلى لأهل الأرض ، العبد إذا عرف الحق عزّ وجلّ قرّب قلبه كل القرب ، وأعطاه كل العطاء وآنسه كل الأنس ، وأعزّه كل العزّ . فإذا سكن إلى ذلك أزاله عنه ، يفقر يده ويردّه إلى نفسه ويجعل بينه وبينه حجابا ، يختبره لينظر كيف يعمل ؟ يهرب أو يثبت ، فإذا رفع الحجب عنه ورده إلى ما كان عليه .
كان الجنيد رحمة اللّه عليه يقول في معظم أوقاته : أي شيء عليّ منيّ ، العبد وما يملك لمولاه ، كان قد سلم نفسه إلى ربه عزّ وجلّ وأزال اختياره ومزاحمته ، ورضى بتولي قدره له ، صلح قلبه واطمأنت نفسه فعمل بقوله :
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية : 196 .