( آثرتم آخرتكم علي دنياكم ، وآثرتم عبادتي على شهواتكم ، وعزّتي وجلالي ما خلقت الجنّة إلا لكم ) هذا قوله لهؤلاء .
وأما قوله للمحبين له : أنتم آثرتموني على جميع خلقي ، دنياي وآخرتي ، عزلتم الخلق عن قلوبكم ونحيتموهم عن أسراركم ، فهذا وجهي لكم وقربي لكم وأنتم عبادي حقا . من الأولياء من يأكل في يومه من طعام الجنة ويشرب من شرابها ويرى جميع ما فيها ، ومنهم من يفنى عن المأكول والمشروب ويعزل من الخلق ويحجب عنهم ويعمر في الأرض بلا موت - كإلياس والخضر .
للّه عزّ وجلّ ، عدد كثير منهم محجوبون في الأرض ، يرون الناس ولا يرونهم ، الأولياء فيهم كثرة ، والأعيان منهم فيهم قلة ، آحاد أفراد مفردين ، والكل يأتونهم يتقرّبون إليهم ، هم الذين تنبت بهم الأرض وتمطر بهم السماء ويدفع بهم البلاء عن الخلق ، الملائكة طعامهم وشرابهم ذكر الحق عزّ وجلّ والتسبيح والتهليل ، وآحاد أفراد من الأولياء يصير طعامهم ذلك ، مالكم واستماع هذا ، الأكثر منكم قرّة عين إبليس وعبيده ، لا كرامة لكم ولا له .
يا ديري اتركوا خدمته وفارقوه ، ادخلوا على الحق عزّ وجلّ بأقدام قلوبكم وسلوه أن يدلكم على ما يرضيه عنكم ، سلوه أن يستخدمكم ، سلوه أن يدلكم على كنز لا ينفد أبدا ، على معين لا ينضب أبدا ، سلوه أن يبغض إليكم الدنيا ويحبب إليكم الأخرى ، فإذا رزقكم ذلك فسلوه أن يبغض إليكم الأخرى ويرزقكم العمل له والحبّ له وهجر ما سواه .
أنت عبد الخلق عبد السبب ، لو كنت عبد الحق عزّ وجلّ كانت أمورك كلها مفوّضة إليه وحوائجك منزلة به ، لم تقولون شيئا وفعلكم يكذب قولكم ؟ أما سمعتم ربكم عزّ وجلّ يقول :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ( 3 )
« 1 » .
ملائكتكم تتعجب من وقاحتكم ، تتعجب من كثرة كذبكم في أحوالكم ، تتعجب من كذبكم في توحيدكم ، كل حديثكم في الغلاء والرخص ، وأحوالكم السلاطين
هامش
( 1 ) سورة الصف الآيتان : 2 - 3 .