أخذت الأنبياء والرسل إليك ، وقد أوقفتني في الصف الأول أقاسي خلقك ، فأسألك العفو والعافية ، اكفني شرّ شياطين الإنس والجن ، وشرّ جميع المخلوقات آمين .
وقال رضي اللّه عنه : يا زهاد ويا عباد أخلصوا وإلا فلا تتبعوا ، قد طاب لكم الصوم والصلاة والتخشن في المطعم والملبس من غير نية وإخلاص ، بل مع حضور النفس ودخول الهوى . ويحكم للقوم أعمال من وراء ذلك من حيث قلوبهم ، يدورون مع القدر في صحبة الحكم وحفظ حدوده في الظاهر والباطن ، في السرّ والعلانية ، مع الخالق والخالق ، يعطون كل ذي فضل فضله ، ولكل ذي حق حقه ، يعطون كتاب اللّه عزّ وجلّ حقه ، وسنة نبيه حقها ، وعلم اللّه عزّ وجلّ الذي في قلوبهم حقه - يعطون الأهل حقوقهم ، والنفس حقها ، والقلب حقه ، والخلق حقوقهم .
هم في تفويض وتمكين وحبس وإطلاق وأخذ وعطاء ، يقيمون الحدود على القلوب والأسرار والنفوس ، يحسنون على الخلق ، هذا شيء من رواء أموركم ومعلومكم .
المؤمن إذا وعظ أخاه ولم يقبل منه بقول له ستذكر ما أقول لك وأفوّض أمري إلى اللّه . لعارف بجاهد نفوزس الخلق بسيف توحيده ومعرفته ، ومن حصل في أسراره منهم حملة إلى باب ملكه ، هو بصير بعباده .
أحبّ الأشياء إلى المؤمن العبادة ، أحبّ الأشياء إليه القيام إلى الصلاة وهو قاعد في بيته فقلبه ينتظر المؤذن ، هو داعي الحق عزّ وجلّ ، سمع الأذان دخل قلبه سرور ويطير إلى الجوامع والمساجد ، يفرح بمجيء السائل إليه ، إذا كان عنده شيء يعطيه ، لأنه سمع قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( السّائل هديّة اللّه عزّ وجلّ إلى عبده ) .
كيف لا يفرح وقد نفذ أمر ربه عزّ وجلّ يستقرض منه على يد الفقير ، هذه آداب المؤمن العابد . وأما العارف فإنه يحفظ حدود الشرع ، ويحفظ قلبه من دخول غير ربه عزّ وجلّ فيه ، يحذر أن ينظر إلى قلبه فينظر فيه خوف غيره ورجاء غيره والاتكال على غيره ، يحفظ قلبه من التدنس بالخلق والأسباب ، يكره لقاء الخلق ولابد له منهم ، لأنهم مرضى وهو طبيبهم ، يكره الحياة في الدنيا والحياة في الأخرى من عزّة قرب ربه عزّ وجلّ الذي هو كل أمنيته واخياره ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : يقول اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة لعباده المؤمنين :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 299
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٩٩