الأكثر منكم قلوبهم فارغة من الإيمان . من كان منكم له حاجة في نفسه فيلجمها بلجام السكوت وحسن الأدب ، ويدرعها بدرع التقوى ، فذلك سبب طمأنينتها ووصولها إلى ربها عزّ وجلّ . الوصول وصولان : عام ، وخاص .
العام : الوصول إلى اللّه عزّ وجلّ بعد الموت .
والخاص : وصول قلوب آحاد أفراد إلى اللّه عزّ وجلّ قبل الموت ، وهم الذين يجاهدون أنفسهم بالمخالفات ويخرجون عن الخلق فيما يرجع إلى الضرّ والنفع ، فإذا داموا على هذا وصلوا إليه كما يصل العوامّ بعد الموت ، من صح له هذا جاءه التمكن والبسط والمحادثة والمؤانسة ، حينئذ يقول هذا الواصل :
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
« 1 » .
يوسف عليه السلام لما خرج من الجبّ والسجن وصبر على تلك الشدائد ، فما تمكن وصار الكل تحت يده قال لإخوته :
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
« 2 » .
لما جاءه الغنى والملك ، وذهب القبض وجاء البسط قبل ذلك كان أخرس في الجبّ والسجن ، فلما خرج جاءت الفصاحة .
( يا قوم ) اطلبوا الكل من خالق الكل ، ابذلوا لكم في جلبه ، القوم بذلوا الأرواح في طلب قرب ربهم عزّ وجلّ ، علموا بالذي يطلبون فهان عليهم بذل أرواحهم ، من علم ما يطلب هان عليه ما يبذل .
( حكى ) أن رجلا اجتاز على حجرة نخاس ، فرأى فيها جارية مستحسنة فتعلقت بقلبه ، فلم يقدر أن يتجاوز الموضع ، وكان تحته فرس يساوي مائة دينار ، وعليه أثواب جميلة ، وهو مقلد بسيف محلى بالذهب ، وبين يديه مملوك أسود يحمل الغشية ، فتقدم إلى صاحبها وطلب منه بيعها ، فقال له : لا شك أنك قد أحببت جاريتي ، والمحبّ يبذل كل ما يملك في طلب محبوبه ، ولا أبيعها إلا بجميع ما تملك يدك في هذه الساعة ، فنزل عن فرسه وخلع جميع ما عليه من الثياب واستعار قميصا من النخاس وسلم الجميع
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 93 .
( 2 ) سورة يوسف آية : 93 .