تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الصديق سمع صراخ الدين ، نادى قلبه وسرّه . إذا خرق العوام حدوده ، إذا تركوا مناهيه وتركوا أوامره ورفضوه وراء ظهورهم ، يسمعه كيف يصرخ ويستغيث إلى اللّه عزّ وجلّ فيتشمر ويقف في وجهه ، يعينه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ينصحه ويذبّ عنه ، يفعل ذلك بقوّة ربه عزّ وجلّ لا بقوّة نفسه وهواه وطبعه ورعونته وجهالته ونفاقه . العبادة ترك العادة ، لا كانت العادة حتى تصير موضع العبادة ، أبطلوا التعلق بالدنيا والآخرة والخلق وتعلقوا بالحق عزّ وجلّ ، لا تبهرجوا فإن الناقد بصير ، ما يأخذ منكم لا يمحك ، البهرج الذي معكم ارموا به ، لا تعدوه شيئا ما يؤخذ منكم لا ما يدخل الكير ويصفى من الدغل ، فلا تحسبوا أن الأمر سهل ، الأكثر منكم يدّعون الإخلاص وهم منافقون ، لولا الامتحان لكثرت الدعاوي . من ادّعى الحلم نمتحنه بالأغضاب ، ومن ادعى الكرم نمتحنه بالطلب منه ، وكل من ادّعى شيئا نمتحنه بضده . دعوا عنكم الهوس والزموا التقوى في جميع أحوالكم ، المتقون لهم الربّ ، اتقوا الشرك في الأصل والمعاصي في الفرع ، ثم تعلقوا بحبلي الكتاب والسنة ولا تخلوهما من أيديكم . الحق عزّ وجلّ كريم لا يجمع على عبد خوفين قد تقدم خوف القوم في الدنيا عند أكلهم وشربهم ولبسهم ونكاحهم وجميع تصرفهم تركوا الحرام والشبهة وكثيرا من الحلال خوفا من حساب ربهم عزّ وجلّ وسوء عذابهم ، تورّعوا في مأكولهم ومشروبهم وجميع أحوالهم . تركوا الأشياء زهدا فيها ، فلما تمكن الزهد صار معرفة ، فلما تمكنت المعرفة جاء العلم باللّه عزّ وجلّ فصار تاجا على رؤوسهم ، فلا جرم انزوى عنهم الحرام والشبه والمباح وبقي عندهم الحلال الطلق الذي هو حلال الصديقين الذي لا يهتمون به ولا يخطر ببالهم . إذا ترك العبد الدنيا والآخرة وخرج مما سوى الحق عزّ وجلّ وحصل قلبه في دار قربه ومننه ولطفه لا يكلفه تحصيل الطعام والشراب واللباس أو شيء من مصالحه ، ينزّه قلبه عن الاشتغال بذلك [ وكذلك ] قلوب المقرّبين ، ما تزال في كتاب القرب والعلم الخاص ، يعلم قلوبهم وأسرارهم الفناء عن الإرادة والاستطراح بين يدي الحق عزّ وجلّ ، فيتولاهم ولا يكلمهم إلى غيره من وراء معقول الخلق ، من وراء هذا الظاهر ، يفنيهم ثم
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 291 | عبد القادر الجيلاني