شيخ متورّع زاهد عالم بحكم اللّه عزّ وجلّ وويلك تريد شيئا بلا شيء منا يقع بيدك ، إذا كانت الدنيا لا تحصل إلا بتعب فكيف ما عند اللّه عزّ وجلّ ؟ أين أنت من الذين وصفهم اللّه عزّ وجلّ في محكم كتابه بكثرة عبادته فقال :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
« 1 » .
لما علم منهم الصدق في عبادته أقام لهم من ينبههم ويقيمهم من فرشهم . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( يقول اللّه عزّ وجلّ : يا جبريل أقم فلانا وأنم فلانا ) .
هذا له وجهان :
الأول : أقم فلانا صادق في عبادته هارب من ذنوبه ، ادفع عنه ، الغناء والنوم وأنم فلانا فإنه كذاب منافق باطل في باطل لعنة في لعنة ، ألق عليه الكرى حتى لا أرى وجهه في القائمين .
الوجه الآخر : أقم فلانا فإنه محبّ طالب ، ومن شرط المحبّ التعب ، وأنم فلانا لأنه محبوب ، ومن شرط المحبوب الراحة . ينوم ويراح لأنه واصل الضياء بالظلام حتى وفي بالعهد وتحقق في محبته ، فلما صح له ذلك جاء وقت وفاء عهد اللّه عزّ وجلّ لأنه ضمن لكل متعوب فيه الراحة معه .
القوم إذا انتمت حظوى قلوبهم إلى ربهم عزّ وجلّ رأوا في المنام ما لم يروه في اليقظة ، يرى قلوبهم وأسرارهم ، شيء لا يرونه في اليقظة وصاموا وجاهدوا أنفسهم بالجوع وكسر الأعراض ، وواصلوا الضياء بالظلام في أنواع العبادات حتى حصلت لهم الجنة .
فلما حصلت لهم قيل لهم الطريق غير هذا وهو طلب الحق عزّ وجلّ فتصير أعمالهم من حيث القلوب ، فإذا وصلت إليه تثبتت عنده .
من علم ما يطلب هان عليه ما يبذل من قواه وجهده في طاعة ربه عزّ وجلّ ، ما يزال المؤمن في تعب حتى يلقى ربه عزّ وجلّ . ويلك تدّعي إرادتي وتخبأ مالك عني ؟
كذبت في دعواك ، المريد ليس له قميص ولا عمامة ولا ذهب ولا مال بالإضافة إلى
هامش
( 1 ) سورة السجد الآيتان : 17 - 18 .