إذا تمت لك هذه الثلاث خصال جاءك الملك الموت يصح زهدك ، وبالصبر تظفر بما تريد من ربك عزّ وجلّ ، وبالتوكل تخرج الأشياء من قلبك وتتعلق بربك عزّ وجلّ ، وتتنحى عنك الدنيا والآخرة وما سوى المولى ، تأتيك الراحة من كل جانب ، والكلاء والحماية من كل جانب ، يحفظك مولاك عزّ وجلّ من جهاتك الست .
لا يبقى لأحد من الخلق عليك سبيل ، يسدّ عنك الجهات ويغلق عنك الأبواب ، تصير من جملة الذين قال اللّه عزّ وجلّ في حقهم :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
« 1 » .
كيف يكون له سلطان على الموحدين المخلصين الذين لا يراءون الخلق في أعمالهم النطق في النهاية يكون لا في البداية ، البداية كلها خرس والنهاية كلها نطق ، المخلص ملكه في قلبه ، سلطانه في سرّه لا اعتبار بالظاهر ، النادر منهم من يجمع بين ملك الظاهر والباطن كن أبدا مخفيا بحالك لا تزل كذلك حتى تكمل ، ويصل قلبك إلى ربك عزّ وجلّ .
فإذا كملت وبلغت لا تبال حينئذ ، كيف تبالي وقد تحققت حالك ، وأقمت في مقامك وأحدق بك حراسك ، وصار الخلق عندك كالسواري والأشجار ، واستوى عندك حمدهم وذمهم وإقبالهم وإدبارهم ؟ تصير بانيهم وناقضهم ، تتصرّف فيهم بإذن خالقهم ، يعطيك الحل والربط ويريد التوقيع إلى يد قلبك ، والعلامة إلى يد سرك ، لا كلام حتى يصح هذا ، وإلا فكن عاقلا لا تتهوّس .
أنت أعمى اطلب من يقودك ، أنت جاهل اطلب من يعلمك ، فإذا وقعت به فتمسك به واقبل قوله ورأيه ، واستدل به على الجادة ، فإذا وصلت إليها فاقعد هناك حتى تحقق معرفتك لها ، فحينئذ يأوي إليك كل ضالّ وتصير طبقا للفقراء والمساكين . من حملة الفتوّة حفظ سرّ اللّه عزّ وجلّ والتخلق مع الناس بخلق حسن ، أين أنت من طلب الحقّ والرضا به عما سواه ؟ أما سمعت قوله عزّ وجلّ :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
« 2 » .
وقال في موضع آخر :
هامش
( 1 ) سورة الحجر الآية : 42 .
( 2 ) سورة آل عمران الآية : 152 .