المجلس الرابع [ في التوبة ]
قال بكرة الأحد بالرباط عاشر شوّال من سنة خمس وأربعين وخمسمائة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
( من فتح له باب من الخير فلينتهزه ، فإنه لا يدري متى يغلق عنه ) .
( يا قوم ) انتهزوا واغتنموا باب الحياة ما دام مفتوحا ، عن قريب يغلق عنكم ، اغتنموا أفعال الخير ما دمتم قادرين عليها ، اغتنموا باب التوبة وادخلوا فيه ما دام مفتوحا لكم ، اغتنموا باب الدعاء فهو مفتوح لكم ، اغتنموا باب مزاحمة إخوانكم الصالحين فهو مفتوح لكم .
( يا قوم ) ابنوا ما نقضتم ، اغسلوا ما نجستم ، أصلحوا ما أفسدتم ، صفّوا ما كدرتم ، ردوا ما أخذتم ، ارجعوا إلى مولاكم عزّ وجلّ من إباقكم وهربكم .
( يا غلام ) ما ههنا إلا الخالق عزّ وجلّ ، فإن كنت مع الخالق فأنت عبده ، وإن كنت مع الخلق فأنت عبدهم ، لا كلام لك حتى تقطع الفيافي والقفار من حيث قلبك ، وتفارق الكل من حيث سرك . أما تعلم أن طالب الحقّ عزّ وجلّ مفارق الكل قد تيقن أن كل شيء من المخلوقات حجاب بينه وبينه عزّ وجلّ ، مع أيّ شيء وقف انحجب به .
( يا غلام ) لا تكسل ، فإن الكسلان يكون أبدا محروما والندامة في ربقه . جوّد أعمالك وقد جاد الحق عزّ وجلّ عليك بالدنيا والآخرة .
كان أبو محمد العجمي رحمة اللّه تعالى يقول : اللهم اجعلنا جيدين ، كان يريد أن يقول : اللهم اجعلنا جيادا فلا يطاوعه لسانه ، من ذاق فقد عرف . حسن العشرة مع الخلق والموافقة لهم مع حدود الشرع ورضاه حسن مبارك ، وأما إذا كان ذلك مع خرق حدّ من حدوده وعدم رضاه فلا ، ولا كرامة لهم . القبول للطاعة وردها : علامات عند أهل الصفاء والاجتباء .
( يا غلام ) انصب شبكة الدعاء وارجع إلى الرضا ، لا تدع بلسانك وقلبك معترض . يوم القيامة يتذكر الإنسان ما فعل في الدنيا من خير وشرّ ، فالندامة هناك لا تنفع ، والذكر ثم لا ينفع . الشأن في تذكر اليوم قبل الموت ، ذكر الحرث والبذر وقت حصاد الناس لا ينفع .