الأسرار ، عنده مفاتيح خزائن القلوب التي هي خزائن الحق عزّ وجلّ ، هذا شيء من وراء معقول الخالق ، جميع ما يظهر فيه فهو ذرّة من جبلة ، وقطرة من بحره ، ومصباح من شمسه .
اللهم إني أعتذر إليك من الكلام في هذه الأسرار ، وأنت تعلم أني مغلوب ، وقد قال بعضهم : إياك وما يعتذر منه ، ولكني إذا صعدت إلى هذا الكرسي أغيب عنكم ولا يبقى بحذا قلبي من أعتذر إليه وأتحفظ منه من الكلام عليكم . هربت منكم مرة وفيكم وقعت ، عزمت أني أبيت كل ليلة في موضع وأسير من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية وأكون متغرّبا متخفيا إلى أن أموت ، هذا ما أردت ، وأراد اللّه عزّ وجلّ بخلافه ، فوقعت في وسط ما هربت منه .
هذا القلب إذا صح وثبت أقدامه على باب الحق عزّ وجلّ وقع في تيه التكوين وفي أوديته وفي بحره ، يكون تارة بكلامه وتارة بهمته وتارة بنظره ، يصير فعل اللّه عزّ وجلّ وينعزل هو ، يفنى وهو يبقى ، القليل منكم من يؤمن بهذا والأكثر منكم من يكذب به ، الإيمان بهذا والعمل به نهايته ، ما يجحد أحوال الصالحين إلا منافق دجال راكب لهواه ، هذا الأمر مبني على الاعتقاد الصحيح ثم العمل .
من عمل بظاهر الحكم أورثه العمل المعرفة باللّه عزّ وجلّ ، والعمل به يصير الحكم بينه وبين الخلق والعلم بينه وبين ربه عزّ وجلّ ، تصير أعماله الظاهرة ذرّة بالإضافة إلى أعماله الباطنة ، تسكن جوارحه وقلبه لا يسكن ، عينا رأسه تنام وعينا قلبه لا تنام ، يعمل قلبه ويذكر وهو نائم .
حكى عن بعضهم أنه كان في يده سبحة يسبح بها ، فنام ثم انتبه فرأى السبحة تدور بيده ولسانه يذكر ربه عزّ وجلّ ، يؤمن هذا القلب فيعمل ويؤمر هذا السرّ فيعمل أعمالا باطنة .
وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ
« 1 » .
الأعمال الظاهرة للعباد من حيث الجوارح ، والأعمال الباطنة للخواصّ من حيث القلوب والأسرار سرّ السرّ بينهم على قدم الخوف مع قربهم ، يخافون تقليب الأغيار في
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون آية : 63 .