والمحبة له ، يأخذه من بين أهله وصنيعته ويظهر فيه قدرته ، يأخذه من قطع الطريق ويرقيه إلى الصومعة ، ويخرج الخلق من قلبه ، ويفتح إليه باب قربه .
ويأخذه من الهذيان حتى يكفيه أدنى شيء يرزقه فهما وحكما وعزّا ، يصير كل ما يراه يتعظ به ، كل ما يسمعه يتعظ به ، ولا يعمل إلا بما يقرّبه إليه ، يأمر الهداية والعناية والكفاية ، لا ينقطعون عنه ، يصير كما قال اللّه عزّ وجلّ في حق يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام .
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
« 1 » .
يزيح عنه السوء والفحشاء ويجعل التوفيق في خدمته . المحبّ للّه عزّ وجلّ العارف به يعظ الخلق بكل فن ، يعظهم تارة بقوله وتارة بفعله وتارة بهمته ، يعظهم من حيث لا يدركون ومن حيث يدركون .
( يا غلام ) عليك بخويصة نفسك عند ضعف إيمانك ، ما عليك من أهلك وجارك وجارتك وأهل بلدك وإقليمك ، فإذا قوى إيمانك فابرز إلى أهلك وولدك ثم إلى الحق ، لا تبرز إليهم إلا بعد أن تتدرّع بدرع التقوى ، وتترك على رأس قلبك خوذة الإيمان ، وبيدك سيف التوحيد ، وفي جعبتك سهام إجابة الدعاء ، وتركب حصان التوفيق ، وتتعلم الكرّ والفرّ والضرب والطعان ، ثم تحمل على أعداء الحق عزّ وجلّ .
فحينئذ تجيئك النصرة والمعونة من جهاتك الستّ ، وتأخذ الخلق من أيدي الشيطان ، وتحملهم إلى باب الحق عزّ وجلّ ، تأمرهم بعمل أهل الجنة ، وتحذرهم من عمل أهل النار ، كيف لا يكون كذلك وقد عرفت الجنة والنار وعرفت أعمالهما ؟
من وصل إلى هذا المقام كشف الحجب عن عين قلبه ، كيف التفت من جهاته الست ؟ أخرق نظره ولم يحجب عنه ، يرفع رأس قلبه فيرى العرش والسماوات ، وإذا أطرق يرى أطباق الأرض ومساكنها من الجن ، كل هذا سببه الإيمان والمعرفة للحق عزّ وجلّ مع العلم بالحكم .
إذا وصلت إلى هذا المقام فادع الخلق إلى باب الحق عزّ وجلّ ، وقبل هذا لا يجيء منك شيء ، إذا دعوت الخلق ولست على باب الحق عزّ وجلّ كان دعواك لهم وبالا عليك ،
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 24 .