تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
نظرت إلى الموت ، وإن سمعت سمعت الموت ، ذكر الموت على الحقيقة باليقظة التامة ، تبغض كل شهوة وتقف في وجه كل فرحة ، اذكروا الموت فليس لكم عنه فوت . إذا صح القلب نسي ما سوى الحق عزّ وجلّ ، القديم الأزلي الدائم الأبدي كل ما سواه محدث . إذا صح القلب صار الكلام الذي يخرج منه صوابا حقا لا يرده راد ، يخاطب القلب القلب ، السرّ السرّ ، الجلوة الجلوة ، المعنى المعنى ، اللبّ اللبّ ، الصواب الصواب ، فحينئذ يكون الكلام منه إلى القلوب كالبذر في أرض لينة طيبة غير سبخة ينبت . إذا صح القلب صار شجرة لها أغصان وأوراق وثمار ، يصير فيه منافع للخلق ، إذا لم يكن للقلب صحة فهو كقلوب الحيوانات صورة بلا معنى ، آنية بلا ملء . الإنس والجن والملك شجرة بلا ثمر ، قفص بلا طائر ، دار بلا ساكن ، كنز مجموع فيه دراهم ودنانير وجواهر بلا منفق ، جسد بلا روح كالأجساد التي مسخت أحجارا ، فهي صورة بلا معنى . القلب المعرض عن اللّه عزّ وجلّ الكافر به ممسوخ ، ولهذا شبه اللّه عزّ وجلّ بالحجر فقال : (
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
« 1 » . لما لم يعمل بنو إسرائيل بالتوراة مسخ اللّه عزّ وجلّ قلوبهم حجارة وطردهم من بابه ، هكذا أنتم يا محمديين ، إذا لم تعملوا بالقرآن وتحكموا أحكامه يمسخ قلوبكم ويطردها من بابه ، لا تكونوا ممن أضله اللّه عزّ وجلّ على علم . إذا تعلمت للخلق عملت للخلق ، وإذا تعلمت للّه عزّ وجلّ عملت له ، إذا تعلمت للدنيا عملت للدنيا ، وإذا تعلمت للآخرة عملت للآخرة ، الفروع تبنى على الأصول ( كما تدين تدان ) . كل إناء ينضح بما فيه . تضع في إنائك نفطا وتريد أن ينضح منه ماء الورد ؟ لا كرامة لك ، تعمل في الدنيا للدنيا ولأبنائها وتريد أن تكون لك الآخرة ، غدا لا كرامة لك ، عملت للخلق وتريد أن يكون لك الخالق غدا والقرب منه إليه لا كرامة لك . هذا هو الظاهر والأغلب ، وإن أعطاك هو تفضلا بغير عمل فذاك إليه . الطاعة عمل الجنة . والمعصية عمل النار ، وبعد ذلك الأمر إليه ، إن شاء أثاب واحدا منا بغير عمل ، أو عاقب واحدا منا بغير عمل ، فذاك إليه :
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 74 .