فلما داموا على ذلك جعل اللّه عزّ وجلّ تكلفهم طبعا وموهبة ، صار الزهد زهدا والطبع طبعا ، تعلموا منهم ، تكلفوا الطاعات واتركوا المعاصي والمنكرات ، وقد صار التكلف طبعا ، تفهموا كلام ربكم عزّ وجلّ واعملوا به وأخلصوا في أعمالكم .
( يا غلام ) أنت نفس وطبع وهوى ، تقعد مع النسوان الأجانب والصبيان ثم تقول لا أبالي بهم ، كذبت لا يوافقك الشرع ولا العقل ، تضيف نارا إلى نار ، حطبا إلى حطب ، فلا جرم يشتعل دار دينك وإيمانك .
إنكار الشرع لهذا عام لم يستثن فيه أحدا ، حصل الإيمان والمعرفة باللّه عزّ وجلّ وقوّة القرب ثم أصبح طبيبا للخلق نيابة عن الحق عزّ وجلّ .
( ويلك ) كيف تمسّ الحيات وتقلبها وأنت ما تعرف صنعة الحواء ولا أكلت الترياق ؟
أعمى كيف تداوي أعين الناس ؟ أخرس كيف تعلم الناس ؟ جاهل كيف تقيم الدين ؟ من ليس بحاجب كيف يقدم الناس إلى باب الملك ؟ أنت جاهل باللّه عزّ وجلّ وبقدرته وقربه وسياسته لخلقه ، ما لا يعقل لي ، وما يعقل لكم ، ملا لا يضبط لي وما يضبط لكم ، ما يعلم تأويله إلا اللّه عزّ وجلّ .
اسمعوا واقبلوا فإني داعي الملك نائب رسوله فيكم ، أوقح الخلق في الدين ، لا أستحي منكم في جانب اللّه عزّ وجلّ وجانب رسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أنا عاملهما زوكاري بين أيديهما ، منتسب إليهما .
هذه الدنيا فانية ذاهبة ، هي دار الآفات والبلايا ، ما يصفو لأحد فيها عيش لا سيما إذا كان حكيما ، كما قيل : الدنيا لا تقرّ فيها عين حكيم ، عين ذاكر الموت . من كان بحذائه فاتحا فمه قريبا إليه كيف قراره وتنام عينه ؟
يا غافلون القبر فاتح فمه ، سبع الموت وثعبان فاتحان فمهما ، سيّاف سلطان القدر بيده السيف وهو منتظر الأمر ، من كل ألف ألف واحد يكون على هذه الحكمة ، مستيقظ بلا غفلة ، لا بد في بداية أمرك من صنعة تكتسب بها وتأكل منها حتى يقوى إيمانك ، فإذا دمت على ذلك وثبت أخرجك الحق عزّ وجلّ إلى التوكل ، فيطعمك من غير سبب .
يا مشركا بسببه ، لو ذقت الأكل بالتوكل لما أشركت ولقعدت على بابه متوكلا عليه واثقا به ، ما أعرف الأكل والشرب إلا من شيئين :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 280
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٨٠